البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٤ - ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه اللَّه عاجلا غير آجل كما قال اللَّه تعالى
ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم و مدتهم فقال تعالى أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ثم شرع ابن إسحاق و ابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة و التي بعدها و قد بسطنا القول في ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية إن شاء اللَّه تعالى و له الحمد و المنة قال ابن هشام الأبابيل الجماعات و لم تتكلم لها العرب بواحد علمناه. قال و أما السجيل فأخبرني يونس النحويّ و أبو عبيدة انه عند العرب الشديد الصلب. قال و زعم بعض المفسرين انهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة و انها سنج و جل [١] فالسنج الحجر و الجل الطين. يقول الحجارة من هذين الجنسين الحجر و الطين. قال و العصف ورق الزرع الّذي لم يقصب. و قال الكسائي سمعت بعض النحويين يقول واحد الأبابيل أبيل و قال كثيرون من السلف الأبابيل الفرق من الطير التي يتبع بعضها بعضا من هاهنا و هاهنا. و عن ابن عباس كان لها خراطيم كخراطيم الطير و أكف كاكف الكلاب و عن عكرمة كانت رءوسها كرءوس السباع خرجت عليهم من البحر و كانت خضرا. و قال عبيد بن عمير كانت سودا بحرية في مناقيرها و اكفها الحجارة. و عن ابن عباس كانت أشكالها كعنقاء مغرب و عن ابن عباس كان أصغر حجر منها كرأس الإنسان و منها ما هو كالإبل. و هكذا ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق. و قيل كانت صغارا و اللَّه أعلم.
و قال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن أبى شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان عن عبيد بن عمير قال لما أراد اللَّه أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار حجرين في رجليه و حجرا في منقاره قال فجاءت حتى صفت على رءوسهم. ثم صاحت و ألقت ما في رجليها و مناقيرها. فما يقع حجر على رأس رجل الا خرج من دبره. و لا يقع على شيء من جسده الا خرج من الجانب الآخر. و بعث اللَّه ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا و قد تقدم أن ابن إسحاق قال و ليس كلهم اصابته الحجارة يعنى بل رجع منهم راجعون إلى اليمن حتى أخبروا أهلهم بما حل بقومهم من النكال و ذكروا أن ابرهة رجع و هو يتساقط أنملة أنملة فلما وصل إلى اليمن انصدع صدره فمات لعنه اللَّه. و روى ابن إسحاق قال حدثني عبد اللَّه بن أبى بكر عن سمرة عن عائشة قالت لقد رأيت قائد الفيل و سائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. و تقدم أن سائس الفيل كان اسمه أنيسا فاما قائده فلم يسم و اللَّه أعلم.
و ذكر النقاش في تفسيره أن السيل احتمل جثثهم فألقاها في البحر. قال السهيليّ و كانت قصة الفيل
[١] أصله (سنك و كل) و لما لم تتلفظ العرب بالكاف بدلوها بالجيم فقالوا سنج و جل و ركبوهما كلمة واحدة فهي مستعربة انتهى.