البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٣ - ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه اللَّه عاجلا غير آجل كما قال اللَّه تعالى
لا يغلبن صليبهم* * * و محالهم غدوا محالك
ان كنت تاركهم و* * * قبلتنا فامر ما بدا لك
قال ابن هشام هذا ما صح له منها. و قال ابن إسحاق ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة و انطلق هو و من معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة و هيأ فيله و عبى جيشه، و كان اسم الفيل محمودا. فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل ابن حبيب حتى قام الى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال أبرك محمود و ارجع راشدا من حيث أتيت. فإنك في بلد اللَّه الحرام و أرسل اذنه. فبرك الفيل قال السهيليّ أي سقط الى الأرض و ليس من شأن الفيلة أن تبرك و قد قيل إن منها ما يبرك كالبعير فاللَّه أعلم و خرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل. و ضربوا الفيل ليقوم فأبى فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى فادخلوا محاجن لهم في مراقة فبزغوه بها ليقوم فأبى فوجهوه راجعا الى اليمن فقام يهرول. و وجهوه الى الشام ففعل مثل ذلك و وجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك. و وجهوه إلى مكة فبرك. و أرسل اللَّه عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف و البلسان [١] مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره و حجران في رجليه أمثال الحمص و العدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك و ليس كلهم أصابت و خرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاءوا. و يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل في ذلك:
ألا حييت عنا ياردينا* * * نعمناكم مع الإصباح عينا
ردينة لو رأيت فلا تريه* * * لدى جنب المحصب ما رأينا
إذا لعذرتنى و حمدت أمرى* * * و لم تاسى على ما فات بينا
حمدت اللَّه إذ أبصرت طيرا* * * و خفت حجارة تلقى علينا
و كل القوم يسأل عن نفيل* * * كأن على للحبشان دينا
قال ابن إسحاق فخرجوا يتساقطون بكل طريق و يهلكون بكل مهلك على كل منهل. و أصيب أبرهة في جسده و خرجوا به معهم يسقط انملة انملة كلما سقطت انملة اتبعتها منه مدة تمت قيحا و دما حتى قدموا به صنعاء و هو مثل فرخ الطائر. فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون.
قال ابن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رئيت الحصبة و الجدري بأرض العرب ذلك العام، و أنه أول ما رئي بها مرائر الشجر الحرمل و الحنظل و العشر ذلك العام قال ابن إسحاق فلما بعث اللَّه محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان مما يعدد اللَّه على قريش من نعمته عليهم و فضله
[١] كذا في الأصل و لعله مصحف عن البلشون فإنه يشبه الخطاطيف