البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٥ - ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه اللَّه عاجلا غير آجل كما قال اللَّه تعالى
أول المحرم من سنة ست و ثمانين و ثمانمائة [١] من تاريخ ذي القرنين.
قلت و في عامها ولد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على المشهور. و قيل كان قبل مولده بسنين كما سنذكر إن شاء اللَّه تعالى و به الثقة.
ثم ذكر ابن إسحاق ما قالته العرب من الأشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نصر اللَّه فيها بيته الحرام الّذي يريد أن يشرفه و يعظمه و يطهره و يوقره ببعثة محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما يشرع له من الدين القويم الّذي أحد أركانه الصلاة بل عماد دينه و سيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة و لم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة: فان الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي قريش و إنما كان النصر للبيت الحرام و إرهاصا و توطئة لبعثة محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فمن ذلك ما قاله عبد اللَّه بن الزبعري السهمي
تنكلوا [٢] عن بطن مكة انها* * * كانت قديما لا يرام حريمها
لم تخلق الشعرى ليالي حرمت* * * إذ لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الحبش عنها ما رأى* * * فلسوف ينبى الجاهلين عليمها
ستون ألفا لم يؤبوا أرضهم* * * بل لم يعش بعد الإياب سقيمها
كانت بها عاد و جرهم قبلهم* * * و اللَّه من فوق العباد يقيمها
و من ذلك قول أبى قيس بن الاسلت الأنصاري المدني:
و من صنعه يوم فيل الحبوش* * * إذ كلما بعثوه رزم
محاجنهم تحت أقرابه* * * و قد شرموا أنفه فانخرم
و قد جعلوا سوطه مغولا* * * إذا يمموه قفاه كلم
فولى و أدبر أدراجه* * * و قد باء بالظلم من كان ثم
فأرسل من فوقهم حاصبا* * * فلفهم مثل لف القزم
تحض على الصبر أحبارهم* * * و قد ثأجوا كثؤاج الغنم
و من ذلك قول أبى الصلت ربيعة بن أبى ربيعة وهب بن علاج الثقفي قال ابن هشام و يروى لامية ابن أبى الصلت:
إن آيات ربنا ثاقبات* * * ما يمارى فيهن الا الكفور
خلق الليل و النهار فكل* * * مستبين حسابه مقدور
[١] كذا بالأصل و الّذي في السهيليّ سنة اثنتين و ثمانين إلخ انتهى.
[٢] قوله تنكلوا كذا بالأصل و في سيرة ابن هشام المطبوعة باللام. لكن في تفسير غريبها للخشنى تنكبوا بالباء. قال أي ارجعوا خوفا منها. تقول نكبت فلانا عن الشيء إذا صرفته عنه صرف هيبة و خوف