البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٩ - ليس للجنب لمس التوراة
تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ الآية و قال تعالى قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ الآية و هذا المذهب و هو القول بأن التبديل إنما وقع في معانيها لا في ألفاظها حكاه البخاري عن ابن عباس في آخر كتابه الصحيح و قرر عليه و لم يرده و حكاه العلامة فخر الدين الرازيّ في تفسيره عن أكثر المتكلمين.
ليس للجنب لمس التوراة
و ذهب فقهاء الحنفية إلى أنه لا يجوز للجنب مس التوراة و هو محدث و حكاه الحناطى في فتاويه عن بعض أصحاب الشافعيّ و هو غريب جدا. و ذهب آخرون من العلماء إلى التوسط في هذين القولين منهم شيخنا الامام العلامة أبو العباس بن تيمية (رحمه اللَّه) فقال أما من ذهب إلى أنها كلها مبدلة من أولها إلى آخرها و لم يبق منها حرف إلا بدلوه فهذا بعيد و كذا من قال لم يبدل شيء منها بالكلية بعيد أيضا و الحق أنه دخلها تبديل و تغيير و تصرفوا في بعض ألفاظها بالزيادة و النقص كما تصرفوا في معانيها و هذا معلوم عند التأمل و لبسطه موضع آخر و اللَّه أعلم كما في قوله في قصة الذبيح اذبح ابنك وحيدك و في نسخة بكرك إسحاق فلفظة إسحاق مقحمة مزيدة بلا مرية لأن الوحيد و هو البكر إسماعيل لأنه ولد قبل إسحاق بأربع عشر سنة فكيف يكون الوحيد البكر إسحاق. و انما حملهم على ذلك حسد العرب أن يكون إسماعيل غير الذبيح فأرادوا أن يذهبوا بهذه الفضيلة لهم فزادوا ذلك في كتاب اللَّه افتراء على اللَّه و على رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد اغتر بهذه الزيادة خلق كثير من السلف و الخلف و وافقوهم على أن الذبيح إسحاق و الصحيح الذبيح إسماعيل كما قدمنا و اللَّه أعلم و هكذا في توراة السامرة في العشر الكلمات زيادة الأمر بالتوجه إلى الطور في الصلاة و ليس ذلك في سائر نسخ اليهود و النصارى.
و هكذا يوجد في الزبور المأثور عن داود (عليه السلام) مختلفا كثيرا و فيه أشياء مزيدة ملحقة فيه و ليست منه و اللَّه أعلم* قلت و أما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها و تحريف كثير من ألفاظها و تغيير القصص و الألفاظ و الزيادات و النقص البين الواضح و فيها من الكذب البين و الخطأ الفاحش شيء كثير جدا فأما ما يتلونه بلسانهم و يكتبونه بأقلامهم فلا اطلاع لنا عليه و المظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على اللَّه و رسله و كتبه.
و أما النصارى فأناجيلهم الأربعة من طريق مرقس و لوقا و متى و يوحنا أشد اختلافا و أكثر زيادة و نقصا و أفحش تفاوتا من التوراة و قد خالفوا أحكام التوراة و الإنجيل في غير ما شيء قد شرعوه لأنفسهم فمن ذلك صلاتهم إلى الشرق و ليست منصوصا عليها و لا مأمورا بها في شيء من الأناجيل الأربعة و هكذا تصويرهم كنائسهم و تركهم الختان و نقلهم صيامهم إلى زمن الربيع و زيادته إلى خمسين يوما و أكلهم