البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٠ - ليس للجنب لمس التوراة
الخنزير و وضعهم الأمانة الكبيرة و إنما هي الخيانة الحقيرة و الرهبانية و هي ترك التزويج لمن أراد التعبد و تحريمه عليه و كتبهم القوانين التي وضعتها لهم الأساقفة الثلاثمائة و الثمانية عشر فكل هذه الأشياء ابتدعوها و وضعوها في أيام قسطنطين بن قسطن باني القسطنطينية و كان زمنه بعد المسيح بثلاثمائة سنة و كان أبوه أحد ملوك الروم و تزوج أمه هيلانة في بعض أسفاره للصيد من بلاد حران و كانت نصرانية على دين الرهابين المتقدمين فلما ولد لها منه قسطنطين المذكور تعلم الفلسفة و بهر فيها و صار فيه ميل بعض الشيء إلى النصرانية التي أمه عليها فعظم القائمين بها بعض الشيء و هو على اعتقاد الفلاسفة فلما مات أبوه و استقل هو في المملكة سار في رعيته سيرة عادلة فأحبه الناس و ساد فيهم و غلب على ملك الشام بأسره مع الجزيرة و عظم شأنه و كان أول القياصرة* ثم اتفق اختلاف في زمانه بين النصارى و منازعة بين بترك الاسكندرية اكصندروس و بين رجل من علمائهم يقال له عبد اللَّه بن أريوس فذهب اكصندروس إلى أن عيسى بن اللَّه تعالى اللَّه عن قوله و ذهب ابن أريوس الى أن عيسى عبد اللَّه و رسوله و اتبعه على هذا طائفة من النصارى و اتفق الأكثرون الأخسرون على قول بتركهم و منع ابن أريوس من دخول الكنيسة هو و أصحابه فذهب يستعدى على اكصندروس و أصحابه الى ملك قسطنطين فسأله الملك عن مقالته فعرض عليه عبد اللَّه بن أريوس ما يقول في المسيح من أنه عبد اللَّه و رسوله و احتج على ذلك فحال اليه و جنح إلى قوله فقال له قائلون فينبغي أن تبعث إلى خصمه فتسمع كلامه فأمر الملك بإحضاره و طلب من سائر الأقاليم كل أسقف و كل من عنده في دين النصرانية و جمع البتاركة الأربعة من القدس و انطاكية و رومية و الاسكندرية فيقال إنهم اجتمعوا في مدة سنة و شهرين ما يزيد على ألفي أسقف فجمعهم في مجلس واحد و هو المجمع الأول من مجامعهم الثلاثة المشهورة و هم مختلفون اختلافا متباينا منتشرا جدا. فمنهم الشرذمة على المقالة التي لا يوافقهم أحد من الباقين عليها فهؤلاء خمسون على مقالة.
و هؤلاء ثمانون على مقالة أخرى. و هؤلاء عشرة على مقالة و أربعون على أخرى و مائة على مقالة و مائتان على مقالة و طائفة على مقالة ابن أريوس و جماعة على مقالة أخرى فلما تفاقم أمرهم و انتشر اختلافهم حار فيهم الملك قسطنطين مع أنه سيئ الظن بما عدا دين الصابئين من اسلافه اليونانيين فعمد إلى أكثر جماعة منهم على مقالة من مقالاتهم فوجدهم ثلاثمائة و ثمانية عشر أسقفا قد اجتمعوا على مقالة اكصندروس و لم يجد طائفة بلغت عدتهم فقال هؤلاء أولى بنصر قولهم لأنهم أكثر الفرق فاجتمع بهم خصوصا و وضع سيفه و خاتمه اليهم و قال انى رأيتكم أكثر الفرق قد اجتمعتم على مقالتكم هذه فانا انصرها و اذهب اليها فسجدوا له و طلب منهم أن يضعوا له كتابا في الأحكام و أن تكون الصلاة إلى الشرق لأنها مطلع الكواكب النيرة و أن يصوروا في كنائسهم صورا لها جثث فصالحوه على أن تكون في الحيطان فلما توافقوا على ذلك أخذ في نصرهم و إظهار كلمتهم و اقامة مقالتهم و ابعاد من خالفهم و تضعيف رأيه و قوله فظهر أصحابه