البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٨ - ذكر تحريف أهل الكتاب و تبديلهم أديانهم
و غيره لما تحاكوا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في قصة اليهودي و اليهودية الذين زنيا فقال لهم ما تجدون في التوراة في شان الرجم فقالوا نفضحهم و يجلدون فأمرهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بإحضار التوراة فلما جاءوا بها و جعلوا يقرءونها و يكتمون آية الرجم التي فيها و وضع عبد اللَّه بن صوريا يده على آية الرجم و قرأ ما قبلها و ما بعدها فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ارفع يدك يا أعور فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) برجمهما و قال (اللَّهمّ إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه)
و عند أبى داود أنهم لما جاءوا بها نزع الوسادة من تحته فوضعها تحتها و قال أمنت بك و بمن أنزلك و ذكر بعضهم انه قام لها و لم أقف على اسناده و اللَّه أعلم. و هذا كله يشكل على ما يقوله كثير من المتكلمين و غيرهم ان التوراة انقطع تواترها في زمن بختنصّر و لم يبق من يحفظها الا العزير ثم العزير ان كان نبيا فهو معصوم و التواتر الى المعصوم يكفى اللَّهمّ الا أن يقال انها لم تتواتر اليه لكن بعده زكريا و يحيى و عيسى و كلهم كانوا متمسكين بالتوراة فلو لم تكن صحيحة معمولا بها لما اعتمدوا عليها و هم أنبياء معصومون. ثم قد قال اللَّه تعالى فيما انزل على رسوله محمد خاتم الأنبياء (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و على جميع الأنبياء منكرا على اليهود في قصدهم الفاسد إذ عدلوا عما يعتقدون صحته عندهم و انهم مأمورون به حتما الى التحاكم الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هم يعاندون ما جاء به لكن لما كان في زعمهم ما قد يوافقهم على ما ابتدعوه من الجلد و التحميم المصادم لما امر اللَّه به حتما و قالوا ان حكم لكم بالجلد و التحميم فاقبلوه و تكونون قد اعتذرتم بحكم نبي لكم عند اللَّه يوم القيمة و ان لم يحكم لكم بهذا بل بالرجم فاحذروا ان تقبلوا منه فأنكر اللَّه تعالى عليهم في هذا القصد الفاسد الّذي انما حملهم عليه الغرض الفاسد و موافقة الهوى لا الدين الحق فقال (وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ الآية) و لهذا حكم بالرجم قال اللَّهمّ انى أول من أحيى أمرك إذ أماتوه و سألهم ما حملهم على هذا و لم تركوا امر اللَّه الّذي بأيديهم فقالوا ان الزنا قد كثر في اشرافنا و لم يمكنا ان نقيمه عليهم و كنا نرجم من زنى من ضعفائنا فقلنا تعالوا الى أمر نصف نفعله مع الشريف و الوضيع فاصطلحنا على الجلد و التحميم فهذا من جملة تحريفهم و تبديلهم و تغييرهم و تأويلهم الباطل و هذا انما فعلوه في المعاني مع بقاء لفظ الرجم في كتابهم كما دل عليه الحديث المتفق عليه فلهذا قال من قال هذا من الناس انه لم يقع تبديلهم الا في المعاني و ان الألفاظ باقية و هي حجة عليهم إذ لو أقاموا ما في كتابهم جميعه لقادهم ذلك الى اتباع الحق و متابعة الرسول محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما قال اللَّه تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ الآية و قال تعالى وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ