البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٧ - بيان طلب ذي القرنين عين الحياة
و المطاعم و الزاد ما يكفيه و يعينه على أهل الإقليم الآخر* و ذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث الفا و ستمائة سنة يجوب الأرض و يدعو أهلها الى عبادة اللَّه وحده لا شريك له و في كل هذه المدة نظر و اللَّه أعلم. و قد روى البيهقي و ابن عساكر حديثا متعلقا بقوله (وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) مطولا جدا و هو منكر جدا. و في اسناده محمد بن يونس الكديمي و هو متهم فلهذا لم نكتبه لسقوطه عندنا و اللَّه أعلم و قوله (فَأَتْبَعَ سَبَباً) أي طريقا (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ) يعنى من الأرض انتهى الى حيث لا يمكن أحدا أن يجاوزه و وقف على حافة البحر المحيط الغربي الّذي يقال له أوقيانوس الّذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هي مبدأ الاطوال على أحد قولي أرباب الهيئة و الثاني من ساحل هذا البحر كما قدمنا. و عنده شاهد مغيب الشمس فيما رآه بالنسبة الى مشاهدته (تغرب في عين حمئة) و المراد بها البحر في نظره فان من كان في البحر أو على ساحله يرى الشمس كأنها تطلع من البحر و تغرب فيه و لهذا قال (وَجَدَها) أي في نظره و لم يقل فإذا هي تغرب في عين حمئة أي ذات حمأة. قال كعب الأحبار و هو الطين الأسود. و قرأه بعضهم حامية. فقيل يرجع إلى الأول. و قيل من الحرارة و ذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس و شعاعها. و قد
روى الامام احمد عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب حدثني مولى لعبد اللَّه بن عمرو عن عبد اللَّه. قال نظر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى الشمس حين غابت فقال (في نار اللَّه الحامية لو لا ما يزعها من أمر اللَّه لأحرقت ما على الأرض)
فيه غرابة و فيه رجل مبهم لم يسم و رفعه فيه نظر و قد يكون موقوفا من كلام عبد اللَّه بن عمرو فإنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب المتقدمين فكان يحدث منها و اللَّه أعلم* و من زعم من القصاص أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس و صار يمشى بجيوشه في ظلمات مددا طويلة فقد اخطئوا بعد النجعة. و قال ما يخالف العقل و النقل.
بيان طلب ذي القرنين عين الحياة
و قد ذكر ابن عساكر من طريق وكيع عن أبيه عن معتمر بن سليمان عن أبى جعفر الباقر عن أبيه زين العابدين خبرا مطولا جدا فيه أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له رناقيل فسأله ذو القرنين هل تعلم في الأرض عينا يقال لها عين الحياة فذكر له صفة مكانها فذهب ذو القرنين في طلبها و جعل الخضر على مقدمته فانتهى الخضر اليها في واد في أرض الظلمات فشرب منها و لم يهتد ذو القرنين اليها. و ذكر اجتماع ذي القرنين ببعض الملائكة في قصر هناك و أنه أعطاه حجرا فلما رجع إلى جيشه سأل العلماء عنه فوضعوه في كفة ميزان و جعلوا في مقابلته ألف حجر مثله فوزنها حتى سأل الخضر فوضع قباله حجرا و جعل عليه حفنة من تراب فرجح به. و قال هذا مثل ابن آدم لا يشبع حتى يوارى