البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٦ - خبر ذي القرنين
و انما نبهنا عليه لان كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد و ان المذكور في القرآن هو الّذي كان ارطاطاليس وزيره فيقع بسبب ذلك خطأ كبير و فساد عريض طويل كثير فان الأول كان عبدا مؤمنا صالحا و ملكا عادلا و كان وزيره الخضر و قد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا. و أما الثاني فكان مشركا و كان وزيره فيلسوفا و قد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة. فأين هذا من هذا لا يستويان و لا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور* فقوله تعالى وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ كان سببه أن قريشا سألوا اليهود عن شيء يمتحنون به علم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالوا لهم سلوه عن رجل طواف في الأرض و عن فتية خرجوا لا يدرى ما فعلوا فأنزل اللَّه تعالى قصة أصحاب الكهف و قصة ذي القرنين. و لهذا قال (قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) أي من خبره و شأنه (ذِكْراً) أي خبرا نافعا كافيا في تعريف امره و شرح حاله فقال (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) أي وسعنا مملكته في البلاد و أعطيناه من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمات العظيمة و المقاصد الجسيمة.
قال قتيبة عن أبى عوانة عن سماك عن حبيب بن حماد قال كنت عند على بن أبى طالب و سأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق و المغرب فقال له (سخر له السحاب و مدت له الأسباب و بسط له في النور) و قال أزيدك فسكت الرجل و سكت على رضى اللَّه عنه.
و عن أبى إسحاق السبيعي عن عمرو بن عبد اللَّه الوادعي سمعت معاوية يقول: ملك الأرض أربعة. سليمان بن داود النبي (عليهما السلام). و ذو القرنين و رجل من أهل حلوان. و رجل آخر. فقيل له الخضر قال لا* و قال الزبير بن بكار حدثني إبراهيم بن المنذر عن محمد بن الضحاك عن أبيه عن سفيان الثوري قال بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة (مؤمنان و كافران سليمان النبي و ذو القرنين و نمرود و بختنصّر) و هكذا قال سعيد بن بشير سواء و قال إسحاق بن بشر عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن قال (كان ذو القرنين ملك بعد النمرود و كان من قصته أنه كان رجلا مسلما صالحا أتى المشرق و المغرب مد اللَّه له في الأجل و نصره حتى قهر البلاد و احتوى على الأموال و فتح المدائن و قتل الرجال و جال في البلاد و القلاع فسار حتى أتى المشرق و المغرب فذلك قول اللَّه (وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) أي خبرا (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) أي علما بطلب أسباب المنازل* قال إسحاق و زعم مقاتل أنه كان يفتح المدائن و يجمع الكنوز فمن اتبعه على دينه و تابعه عليه و إلا قتله. و قال ابن عباس و مجاهد و سعيد بن جبير و عكرمة و عبيد بن يعلى و السدي و قتادة و الضحاك (وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً) يعنى علما و قال قتادة و مطر الوراق معالم الأرض و منازلها و اعلامها و آثارها و قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعنى تعليم الالسنة كان لا يغزو قوما إلا حدثهم بلغتهم و الصحيح أنه يعم كل سبب يتوصل به الى نيل مقصوده في المملكة و غيرها فإنه كان يأخذ من كل إقليم من الأمتعة