البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٨ - بيان طلب ذي القرنين عين الحياة
بالتراب فسجد له العلماء تكريما له و إعظاما و اللَّه أعلم* ثم ذكر تعالى أنه حكم في أهل تلك الناحية (قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً. قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً) أي فيجتمع عليه عذاب الدنيا و الآخرة و بدأ بعذاب الدنيا لانه أزجر عند الكافر (وَ أَمَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً) فبدأ بالأهم و هو ثواب الآخرة و عطف عليه الإحسان منه اليه و هذا هو العدل و العلم و الايمان قال اللَّه تعالى ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً أي سلك طريقا راجعا من المغرب الى المشرق فيقال إنه رجع في ثنتى عشر سنة (حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً) أي ليس لهم بيوت و لا أكنان يستترون بها من حر الشمس. قال كثير من العلماء و لكن كانوا يأوون إذا اشتد عليهم الحر الى أسراب قد اتخذوها في الأرض شبه القبور قال اللَّه تعالى كَذلِكَ وَ قَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً أي و نحن نعلم ما هو عليه و نحفظه و نكلؤه بحراستنا في مسيره ذلك كله من مغارب الأرض الى مشارقها.
و قد روى عن عبيد بن عمير و ابنه عبد اللَّه و غيرهما من السلف أن ذا القرنين حج ماشيا فلما سمع إبراهيم الخليل بقدومه تلقاه فلما اجتمعا دعا له الخليل و وصاه بوصايا و يقال انه جيء بفرس ليركبها فقال لا أركب في بلد فيه الخليل فسخر اللَّه له السحاب و بشره إبراهيم بذلك فكانت تحمله إذا أراد. و قوله تعالى ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا يعنى غشما. يقال انهم هم الترك أبناء عم يأجوج و مأجوج فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم و أفسدوا في بلادهم و قطعوا السبل عليهم و بذلوا له حملا و هو الخراج على أن يقيم بينهم و بينهم حاجزا يمنعهم من الوصول اليهم فامتنع من أخذ الخراج اكتفاء بما أعطاه اللَّه من الأموال الجزيلة (قال ما مكنى فيه ربى خير) ثم طلب منهم أن يجمعوا له رجالا و آلات ليبنى بينهم و بينهم سدا و هو الردم بين الجبلين و كانوا لا يستطيعون الخروج اليهم إلا من بينهما و بقية ذلك بحار مغرقة و جبال شاهقة فبناه كما قال تعالى من الحديد و القطر و هو النحاس المذاب. و قيل الرصاص و الصحيح الأول فجعل بدل اللبن حديدا و بدل الطين نحاسا و لهذا قال تعالى (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ) أي يعلوا عليه بسلالم و لا غيرها (وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) أي بمعاول و لا فؤس و لا غيرها فقابل الأسهل بالاسهل و الأشد بالأشد (قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) أي قدر اللَّه وجوده ليكون رحمة منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم على من جاورهم في تلك المحلة (فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي) أي الوقت الّذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان (جَعَلَهُ دَكَّاءَ) أي مساويا للأرض و لا بد من كون هذا و لهذا قال (وَ كانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) كما قال تعالى حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ الآية و لذا قال هاهنا (وَ تَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) يعنى يوم فتح السد على الصحيح (وَ نُفِخَ فِي