نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٧١ - وصية موسى بن سعيد لابنه أبي الحسن
لا تبينه ، فإن الكلام سلاح السلم ، وبالأنين يعرف ألم الجرح ، واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية لك ، وآكد ما أوصيك به أن تطرح الأفكار ، وتسلم للأقدار : [المنسرح]
| واقبل من الدهر ما أتاك به | من قرّ عينا بعيشه نفعه |
إذ الأفكار تجلب الهموم ، وتضاعف الغموم ، وملازمة القطوب عنوان المصائب والخطوب ، يستريب به الصاحب ، ويشمت العدوّ المجانب ، ولا تضر بالوساوس إلا نفسك ، لأنك تنصر بها الدهر عليك ، ولله در القائل : [بحر الوافر]
| إذا ما كنت للأحزان عونا | عليك مع الزمان فمن تلوم؟ |
مع أنه لا يردّ عليك الفائت الحزن ، ولا يرعوي بطول عتبك الزمن ، ولقد شاهدت بغرناطة شخصا قد ألفته الهموم ، وعشقته الغموم ، من صغره إلى كبره ، لا تراه أبدا خليا من فكره ، حتى [لقد][١] لقب بصدر الهم ، ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة ، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج ، ويتنكد في الرخاء خوفا من أن لا يدوم ، وينشد : [بحر المتقارب]
توقع زوالا إذا قيل تم
وينشد : [بحر الطويل]
وعند التّناهي يقصر المتطاول [٢]
وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب ، ومثل هذا عمره مخسور يمر ضياعا ، ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسدا لك ، وقصدا لتصغير قدرك عندك ، وتزهيدا لك فيه ، فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك ، وتركن إلى العلم الذي مدحوه ، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه فصعب عليه ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه ، فبقي مخبل المشي [كما قيل][٣] : [بحر الكامل]
| حسد القطا وأراد يمشي مشيها | فأصابه ضرب من العقّال [٤] |
[١] ساقطة في ب.
[٢] للمعري :
| فإن كنت تبغي العز فابغ توسطا | وعند التناهي يقصر المتطاول |
[٣] ما بين حاصرتين سقط من ب ، ه.
[٤] البيت ساقط من ب.