نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٥٩ - وصف المتنزهات من ترجمة المتوكل على الله بن الأفطس
| بعثت إليك جناحا فطر | على خفية من عيون البشر | |
| على ذلل من نتاج البروق | وفي ظلل من نسيج الشّجر | |
| فحسبي ممّن نأى من دنا | ومن غاب كان فدى من حضر |
فوصل القصبة [١] المطلة على البطحاء ، المزرية بمنازل الرّوحاء ، فأقام منها حيث قال عديّ بن زيد يصف صنعاء [٢] : [الكامل]
| في قباب حول دسكرة | حولها الزّيتون قد ينعا |
ومرّ لهم من السرور يوم ما مر لذي رعين ، ولا تصوّر قبل عيونهم لعين ، وأخبرني أنه سايره إلى شنترين قاصية أرض الإسلام ، السامية الذرا والأعلام ، التي لا يروعها صرف ، ولا يفرعها طرف [٣] ، لأنها متوعّرة المراقى ، معقّرة للراقي [٤] ، متمكنة الرّواسي والقواعد ، من ضفة نهر استدار بها استدارة القلب بالساعد ، قد أطلّت على خمائلها ، إطلال العروس من منصّتها ، واقتطعت من الجوّ أكثر من حصّتها ، فمروا بألبش [٥] قطر سالت به جداوله ، واختالت فيه خمائله ، فما يجول الطّرف منه إلا في حديقة ، أو بقعة أنيقة ، فتلقاهم ابن مقانا قاضي حضرته وأنزلهم عنده ، وأورى لهم بالمبرة زنده ، وقدم لهم طعاما واعتقد قبوله منّا وإنعاما ، وعندما طعموا قعد القاضي بباب المجلس رقيبا لا يبرح ، وعين المتوكل حياء منه لا تجول ولا تمرح ، فخرج أبو محمد وقد أبرمه القاضي [٦] بتثقيله ، وحرمه راحة رواحه ومقيله ، فلقي ابن خيرون منتظرا له وقد أعد لحلوله منزله ، فسار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نوّاره ، وخجلت خدود ورده من زوّاره ، وأبدت صدور أباريقه أسرارها ، وضمت عليه المحاسن أزرارها ، ولما حضر له وقت الأنس وحينه ، وأرجت له رياحينه ، وجّه من يرقب المتوكل حتى يقوم جليسه ، ويزول موحشه لا أنيسه ، فأقام رسوله وهو بمكانه لا يريمه ، قد لازمه كأنه غريمه ، فما انفصل ، حتى ظن أن عارض الليل قد نصل ، فلما علم أبو محمد بانفصاله بعث إلى المتوكل قطيع راح وطبق ورد ، وكتب معهما : [الرجز]
[١] في ج : فوصل القبة. وفي القلائد : فوصل إلى القصبة.
[٢] في ب : يصف مصنعا.
[٣] يفرعها : يعلوها.
[٤] في ب : معفرة. وفي القلائد : معثرة.
[٥] في ج : بأنفس قطر. والأصح : ألبش ، وهي تقع غربي بطليوس.
[٦] القاضي : غير موجودة في ب.