نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٢٦ - ترجمة الوزير أبي المغيرة بن حزم
فأنكرت ذلك بعينها ، وأبطأت في الصب على قدر نظرها للمأمون وإشارتها إليه ، فقال الرشيد: ما هذا؟ ضعي الإبريق من يدك ، ففعلت ، فقال لها [١] : والله لئن لم تصدقيني لأقتلنك ، فقالت : يا سيدي ، أشار إلي كأنه يقبلني [٢] ، فأنكرت ذلك عليه ، فالتفت إلى المأمون فنظر إليه كأنه ميت لما داخله من الجزع والخجل ، فرحمه وضمه إليه ، وقال : يا عبد الله ، أتحبها؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : هي لك فاخل [٣] بها في تلك القبة ، ففعل ، ثم قال له : هل قلت في هذا الأمر شيئا؟ فقال : نعم يا سيدي ، وأنشد [٤] : [المجتث]
| ظبي كنيت بطرفي | من الضّمير إليه | |
| قبّلته من بعيد | فاعتلّ من شفتيه | |
| وردّ أخبث ردّ | بالكسر من حاجبيه | |
| فما برحت مكاني | حتّى قدرت عليه |
وفي هذا المعنى يقول بعض البلغاء : اللحظ ، يعرب عن اللفظ ، وقال آخر : رب كناية تغني عن إيضاح ، ورب لفظ يدل على ضمير ، ونظمه الشاعر فقال : [الطويل]
| جعلنا علامات المودّة بيننا | دقائق لحظ هنّ أمضى من السّحر | |
| فأعرف منها الوصل في لين لحظها | وأعرف منها الهجر بالنّظر الشّزر[٥] |
وفي هذا قال بعض الحكماء : العين باب القلب ، فما في القلب ظهر في العين وقال الشاعر : [البسيط]
| العين تبدي الّذي في نفس صاحبها | من المحبّة أو بغض إذا كانا | |
| فالعين تنطق والأفواه صامتة | حتّى ترى من ضمير القلب تبيانا |
وأبو المغيرة بن حزم قال في حقه في المطمح ما نصه [٦] : الوزير الكاتب أبو المغيرة عبد الوهاب بن حزم ، وبنو حزم فتية علم وأدب ، وثنيّة مجد وحسب ، وأبو المغيرة هذا في الكتابة أوحد ، لا ينعت ولا يحد ، وهو فارس المضمار ، حامي ذلك الذّمار ، وبطل الرّعيل [٧] ، وأسد ذلك الغيل ، نسق المعجزات ، وسبق في المعضلات الموجزات ، إذا كتب وشّى المهارق ودبج ، وركب من بحر البلاغة الثّبج [٨] ، وكان هو وأبو عامر بن شهيد خليلي صفاء ، وحليفي
[١] لها : غير موجودة في ب.
[٢] في ب : أشار إلي عبد الله ..
[٣] في ه : فأدخل بها.
[٤] في ب ، ه : ثم أنشد.
[٥] النظر الشزر : الشديد ، الممتلئ غضبا.
[٦] انظر المطمح ص ٢٢.
[٧] الرعيل : جماعة الرجال التي تتقدم غيرها.
[٨] الثبج من الشيء : معظمه ، ومن الموج : أعلاه.