نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٢١ - مآل مصحف عثمان الذي كان بالأندلس
من منتشرها كل شعب ، وأشرفوا عند تحقيقها وإبراز دقيقها على كل صعب ، فكانت منهم وقفة كادت لها النفس تيأس عن مطلبها ، والخواطر تكر راجعة عن خفي مذهبها ، حتى أطلع الله خليفته في خلقه ، وأمينه المرتضى لإقامة حقه ، على وجه انقادت فيه تلك الحركات بعد اعتياصها [١] ، وتخلّصت أشكالها عن الاعتراض على أحسن وجوه خرصها ، ألقوا ذلك ـ أيدهم الله بنصره ، وأمدهم بمعونته ويسره! ـ إلى المهندسين والصناع فقبلوه أحسن القبول ، وتصوروه بأذهانهم فرأوه على مطابقة المأمول ، فوقفهم حسن تنبيهه مما جهلوه على طور غريب من موجبات التعظيم ، وعلموا أن الفضل لله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وسيأتي بعد هذا إشارة إلى تفصيل تلك الحركات المستغربة ، والأشكال المونقة المعجبة ، إن شاء الله تعالى.
مما صنع للمصحف العظيم من الأصونة الغريبة ، والأحفظة العجيبة ، أنه كسي كله بصوان واحد من الذهب والفضة ذي صنائع غريبة من ظاهره وباطنه ، لا يشبه بعضها بعضا ، قد أجري فيه من ألوان الزجاح الرومي ما لم يعهد له في العصر الأول مثال ، ولا عمر قبله بشبهه خاطر ولا بال ، وله مفاصل تجتمع إليها أجزاؤه وتلتئم ، وتتناسق عندها عجائبه وتنتظم ، قد أسلست [٢] للتحرك أعطافها ، وأحكم إنشاؤها على البغية وانعطافها ، ونظم على صفحته وجوانبه من فاخر الياقوت ونفيس الدر وعظيم الزمرد ما لم تزل الملوك السالفة والقرون الخالية تتنافس في أفراده وتتوارثه على مرور الزمن وترداده ، وتظنّ العز الأقعس [٣] ، والملك الأنفس ، في ادخاره وإعداده ، وتسمى الواحد منها بعد الواحد بالاسم العلم لشذوذه في صنعه [٤] واتحاده ، فانتظم عليه منها ما شاكله زهر الكواكب في تلألئه [٥] واتقاده ، وأشبهه الروض المزخرف غبّ سماء أقلعت عن إمداده ، وأتى هذا الصّوان الموصوف رائق المنظر ، آخذا بمجامع القلب والبصر ، مستوليا بصورته الغريبة على جميع الصّور ، يدهش العقول بهاء ، ويحير الألباب رواء [٦] ، ويكاد يعشي الناظر [٧] تألّقا وضياء ، فحين تمت خصاله ، واستركبت أوصاله ، وحان ارتباطه بالمصحف العظيم واتصاله ، رأوا ـ أدام الله تأييدهم ، وأعلى كلمتهم!. مما رزقهم الله تعالى من ملاحظة الجهات ، والإشراف على جميع الثنيات ، أن يتلطف في وجه
[١] اعتياص الأمر : صعوبته وعدم انقياده.
[٢] أسلست قيادها : جعلته سهلا سلسا.
[٣] العز الأقعس : الثابت ، المنيع.
[٤] في ب : في صنفه.
[٥] في ب : تلألؤه.
[٦] الرواء : حسن المنظر.
[٧] يعشي الناظر : يصيبه بالعشاء ، وهو سوء البصر.