نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٢ - من رسائل لسان الدين بن الخطيب
لا يعرف الباحث عنه له حدا ، وذلك لشدة ولوع النفوس بذكر أحبابها وحنينها إلى أماكنها التي هي مواطن أطرابها ، ولهذا اقتصرنا على هذه النبذة القليلة ، وجعلناها نغبة [١] يشفي المشوق بها غليله ، وقد كره بعض العقلاء التأسف على الديار لعلمهم أنه لا يجدي ، ولا يدفع عادية الدهر الخؤون ولا يعدي ، ونهوا عنه لما فيه من تجديد المصاب ، المجرع لصاحبه الصاب والأوصاب [٢].
قال أبو عمر بن عبد البر : [الكامل]
| عفت المنازل غير أرسم دمنة | حيّيتها من دمنة ورسوم | |
| كم ذا الوقوف ولم تقف في منسك | كم ذا الطّواف ولم تطف بحريم | |
| فكل الدّيار إلى الجنائب والصّبا | ودع القفار إلى الصّدى والبوم |
[٣] انتهى كلامه رحمه الله تعالى بأكثر لفظه مع بعض اختصار.
رجع إلى قرطبة ـ فنقول : وقد ألم لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى بذكر قرطبة وبعض أوصافها في كتاب له كتبه على لسان سلطانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرناه بجملته في الباب الخامس من القسم الثاني فليراجع ثمّة [٤] ، ونص محل الحاجة منه هنا : ثم كان الغزو إلى أم البلاد ، ومثوى الطارف والتّلاد ، قرطبة ، وما قرطبة؟ المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان العمل ، والكرسيّ الذي بعصاه رعي الهمل ، والمصر [المعمور [٥]] الذي في خطه [٦] الناقة والجمل ، والأفق الذي هو لشمس الخلافة العبشمية الحمل [٧] ، فخيم الإسلام في عقرتها المستباحة [٨] ، وأجاز نهرها المعيي على السباحة ، وعم دوحها الأشب بوارا ، وأدار المحلات بسورها سوارا ، وأخذ بمخنّقها حصارا ، وأعمل النصر بشجرة أصلها اجتناء ما شاء واهتصارا ، وجدّل من أبطالها من لم يرض انجحارا [٩] ، فأعمال إلى المسلمين
[١] في ج : نبعة ، والنبغة : الجرعة.
[٢] الصاب : شجر مر الطعم. والأوصاب : جمع وصب ، وهو المرض ، والألم الدائم.
[٣] الجنائب : جمع جنوب ، وهي الريح التي تهب من ناحية الجنوب.
[٤] ثمة : هناك.
[٥] في ب : ما بين حاصرتين غير موجود.
[٦] في ب : الذي له في خطة.
[٧] العبشمية : النسبة إلى عبد شمس.
[٨] في ب : عقوتها المستباحة.
[٩] الانجحار : الدخول في الجحر.