نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٥٦ - كتاب من الفتح إلى بعض الملوك يصف متنزها
أطال الله سبحانه بقاء ناصر الدولة ، ومحيي الملة ، الذي حسن بلقياه العيش ، وتزين بمحياه الجيش ، وراق باسمه الملك ، وجرت بسعده الفلك ، وأنار به الليل الدامس [١] ، ولاح له الأثر الطامس [٢] ، وجرى الدهر لسطوته خائفا ، وغدا السعد بعقوته طائفا ، والزمان ببرود علياه ملتحف ، ولثغور نداه مرتشف ، ولا زال للمجد يتملكه ، والسعد يحمله فلكه ، أما وقد وافقتني أيامه أيده الله سبحانه وفاقا ، ورأيت للبيان عنده نفاقا [٣] ، فلا بد أن أرسل كتائبه أفواجا ، وأفيض من بحره أمواجا ، وأصف ما شاهدته من اقتداره ، وعاينته من حسن إيراده وإصداره ، بمقال أفصح من شكوى المحزون ، وأملح من رياض الحزون ، وقد كنت أيدكم الله تعالى كلفا بالدول وبهائها ، لهجا بالبلوغ إلى انتهائها ، لأجد دولة أرتضيها ، وحظوة علياء أقتضيها ، فكل ملك فاوضته سرا وجهرا ، وكل ملك قلبته بطنا وظهرا ، والنفس تصدّ عنه صدود الجبان عن الحرب ، والملائكة الكرام عن الشرب ، إلى أن حصلت لديه ، ووصلت بين يديه ، فقلت : الآن أمكن من راح البغية الانتشاء ، وتمثلت (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ) [فاطر الآية : ٣٤ ، الزمر ٧٤] وما زلت أسايره حيث سار ، وآخذ اليمين تارة وتارة اليسار ، وكل ناحية تسفر لي عن خدّ روض أزهر ، وعذار نبت أخضر ، وتبسم عن ثغر حباب ، في نهر كالحباب ، وترفل من الربيع في ملابس سندسيات ، وتهدي إلينا نوافح مسكيات ، وتزهى بهجتها بأحسن منظر ، وتتيه بجلباب أينع من برد الشباب الأنضر [٤] ، فجلنا فيها يمينا وشمالا ، واستخبرنا عن أسرارها صبا وشمالا ، ثم مال بنا أيده الله تعالى عن هذه المسارح السنية ، والمنازل البهيّة ، إلى إحدى ضياعه الحالية ، وبقاعه العالية ، فحللناها والأيم قد عري من جلبابه ، واليوم قد اكتهل بعد شبابه ، فنزلنا في قصور يقصر عنها جعفريّ جعفر [٥] ، وقصور بني الأصفر ، تهدي من لبّاتها بردا محبرا ، وتبدي من شذاها مسكا وعنبرا ، وقد لاحت من جوانبها نجوم أكواس لو رآها أبو نواس لجعلها شعاره ، ووقف على نعتها أشعاره ، ولم يتخذ سواها نجعة ، ولا نبه خمّاره بعد هجعة ، فتعاطيناها والسعد لنا خادم ، وما غير السرور علينا قادم ، وخدود سقاتها قد اكتست من سناها ، وقدودهم تتهيل علينا بجناها ، ونحن بين سكر وصحو ، وإثبات لها ومحو ، وإصاخة إلى بمّ وزير [٦] ، والتفاتة إلى ملك
[١] الليل الدامس : الشديد الظلام.
[٢] الأثر الطامس : المتغير الذي انمحى وعفا.
[٣] النفاق ، بفتح النون : الرواج والقبول.
[٤] في ه : من برد الشباب الأخضر.
[٥] جعفر : هو المتوكل ، الخليفة العباسي ، والجعفري : قصره.
[٦] البم : أغلظ أوتار العود. والزير : الدقيق من أوتار آلات الطرب كالعود وغيره.