نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٦٢ - وصف القاهرة
الأخضر والأصفر ، وأما العنب والتين فقليل غال ، ولكثرة ما يعصرون العنب في أرياف النيل لا يصل منه إلا القليل ، ومع هذا فشرابه عندهم في غاية الغلاء ، وعامتها يشربون المزر الأبيض المتخذ من الحنطة ، حتى إن الحنطة يطلع سعرها بسبب ذلك [١] ، فينادي المنادي من قبل الوالي بقطعه وكسر أوانيه ، ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار ، ولا تبرج النساء العواهر ، ولا غير ذلك مما ينكر في غيرها من بلاد المغرب ، وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر وتعظم عمارته فيما يلي القاهرة فرأيت فيه من ذلك العجائب ، وربما وقع فيه قتل بسبب السكر فيمنع فيه الشرب ، وذلك في بعض الأحيان ، وهو ضيق ، عليه من الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم التهكم والطرب والمخالفة ، حتى إن المحتشمين والرؤساء لا يجيزون العبور به في مركب ، وللسّرج في جانبيه بالليل منظر ، وكثيرا ما يتفرج فيه أهل الستر في الليل ، وفي ذلك أقول : [مخلع البسيط]
| لا تركبن في خليج مصر | إلا إذا أسدل الظلام | |
| فقد علمت الذي عليه | من عالم كلّهم طغام [٢] | |
| صفان للحرب قد أطلّا | سلاح ما بينهم كلام | |
| يا سيدي لا تسر إليه | إلا إذا هوّم [٣] النيام | |
| والليل ستر على التصابي | عليه من فضله لثام | |
| والسّرج قد بدت [٤] عليه | منها دنانير لا ترام | |
| وهو قد امتدّ والمباني | عليه في خدمة قيام | |
| لله كم دوحة جنينا | هناك أثمارها الأثام |
قال المقريزي : وفيه تحامل كثير ، انتهى.
ومن نظر بعين الإنصاف علم أن التحامل في نسبة التحامل إليه ، والله تعالى الموفق.
قال ابن سعيد : ومعاملة الفسطاط والقاهرة بالدراهم المعروفة بالسوداء ، كل درهم منها ثلاث من الدراهم الناصرية ، وفي المعاملة بها شدة وخسارة في البيع والشراء ، ومخاصمة بين الفريقين ، وكان بها قديما الفلوس ، فقطعها الملك الكامل ، فبقيت الآن مقطوعة منها ، وهي في الإقليم الثالث ، وهواؤها رديء ، لا سيما إذا هبّ المريسي من جهة القبلة ، وأيضا فرمد العين
[١] ساقطة في ب.
[٢] الطغام : أراذل الناس.
[٣] هوّم : نام نوما خفيفا.
[٤] في ب : «مدّدت».