نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٥٦ - وصف القاهرة
بالمراكب وأصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار النيل ، ولئن قلت إني لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك الساحل فإني أقول حقا ، والنيل هنالك ضيق ، لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الديار المصرية الآن قلعته [١] قد توسطت الماء ومالت إلى جهة الفسطاط ، وبحسن سورها المبيض الشامخ حسن منظر الفرجة في ذلك الساحل ، وقد ذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدا من الفسطاط إلى الجزيرة ، وهو غير طويل ، ومن الجانب الآخر إلى البر الغربي المعروف ببر الجيزة [٢] جسر آخر من الجزيرة إليه ، وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب ، لأن هذين الجسرين قد احترما لحصولهما في حيز قلعة السلطان ، ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الفسطاط والجزيرة راكبا احتراما لموضع السلطان ، وبتنا في ليلة ذلك اليوم بطيارة مرتفعة على جانب النيل ، فقلت : [بحر الطويل]
| نزلنا من الفسطاط أحسن منزل | بحيث امتداد النيل قد دار كالعقد | |
| وقد جمعت فيه المراكب سحرة [٣] | كسرب قطا أضحى يرفّ على ورد [٤] | |
| وأصبح يطفو الموج فيه ويرتمي | ويطرب أحيانا ويلعب بالنرد | |
| حلا ماؤه كالرّيق ممن أحبّه | فمدت عليه حلة من حلى الخد | |
| وقد كان مثل النهر من قبل مده | فأصبح لما زاده المد كالورد |
وقلت هذه لأني لم أذق في المياه أحلى من مائه ، وإنه يكون قبل المد الذي يزيد به ويفيض على أقطاره أبيض ، فإذا كان عباب النيل صار أحمر ، وأنشدني علم الدين فخر الترك أيدمر عتيق وزير الجزيرة في مدح الفسطاط. [٥] [بحر الرمل]
| حبّذا الفسطاط من والدة | جنّبت أولادها درّ الجفا [٦] | |
| يرد النيل إليها كدرا | فإذا مازج أهليها صفا | |
| لطفوا فالمزن لا تألفهم | خجلا لما رأتهم ألطفا |
ولم أر في أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط ، حتى إنهم ألطف من أهل القاهرة ، وبينهما نحو ميلين ، والحال أن أهل الفسطاط في نهاية من اللطافة واللين في الكلام ، وتحت ذلك من الملق وقلة المبالاة ورعاية [٧] قدر الصحبة وكثرة الممازحة [٨] والألفة ما يطول ذكره.
[١] في ج : قلعة.
[٢] في ه : «ببر الجزيرة».
[٣] سحرة : آخر الليل قبيل الفجر.
[٤] الورد : الماء الذي يورد للشرب.
[٥] هو علم الدين أيدمر المحيوي التركي. له ديوان شعر (انظر فوات الوفيات ج ١ ص ١٤٠).
[٦] في ب ، ه : «جنبت أولادها دار الجفا».
[٧] في ب ، ه : «برعاية قدر الصحبة».
[٨] في ب : «الممازجة».