نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٣٠ - استيلاء المعتمد بن عباد على قرطبة
ويديرونها أنسا واعتبارا ، إذا برسول المعتمد قد وافاهم برقعة فيها [١] : [الخفيف]
| حسد القصر فيكم الزّهراء | ولعمري وعمركم ما أساء | |
| قد طلعتم بها شموسا صباحا | فاطلعوا عندنا بدورا مساء |
فساروا إلى قصر البستان بباب العطارين فألفوا مجلسا قد حار فيه الوصف ، واحتشد فيه اللهو والقصف ، وتوقدت نجوم مدامه ، وتأوّدت قدود خدّامه ، وأربى على الخورنق والسدير ، وأبدى صفحة البدر من أزرار المدير ، فأقاموا ليلتهم [٢] ما عراهم نوم ، ولا عداهم عن طيب اللذات سوم ، وكانت قرطبة منتهى أمله ، وكان روم أمرها أشهى عمله ، وما زال يخطبها بمداخلة أهليها ، ومواصلة واليها ، إذ لم يكن في منازلتها قائد ، ولم يكن لها إلا حيل ومكايد ، لاستمساكهم بدعوة خلفائها ، وأنفتهم من طموس رسوم الخلافة وعفائها ، وحين اتفق له تملكها ، وأطلعه فلكها ، وحصل في قطب دائرتها ، ووصل إلى تدبير رياستها وإدارتها ، قال [٣]: [البسيط]
| من للملوك بشأو الأصيد البطل؟ | هيهات جاءتكم مهديّة الدّول | |
| خطبت قرطبة الحسناء إذ منعت | من جاء يخطبها بالبيض والأسل | |
| وكم غدت عاطلا حتّى عرضت لها | فأصبحت في سريّ الحلي والحلل | |
| عرس الملوك لنا في قصرها عرس | كلّ الملوك بها في مأتم الوجل | |
| فراقبوا عن قريب لا أبا لكم | هجوم ليث بدرع البأس مشتمل |
ولما انتظمت في سلكه ، واتّسمت بملكه ، أعطى ابنه الظافر زمامها ، وولاه نقضها وإبرامها ، فأفاض فيها نداه ، وزاد على أمده ومداه ، وجملها بكثرة حبائه ، واستقل بأعبائها على فتائه ، ولم يزل فيها آمرا وناهيا ، غافلا عن المكر ساهيا ، حسن ظن بأهلها اعتقده ، واغترارا بهم ما رواه ولا انتقده ، وهيهات كم من ملك كفّنوه في دمائه ، ودفنوه بذمائه ، وكم من عرش ثلّوه ، وكم من عزيز ملك أذلوه ، إلى أن ثار فيها ابن عكّاشة ليلا ، وجر إليها حربا وويلا ، فبرز الظافر منفردا عن كماته ، عاريا من حماته ، وسيفه في يمينه ، وهاديه في الظلماء نور جبينه ، فإنه كان غلاما قد بلله [٤] الشباب بأندائه ، وألحفه الحسن بردائه ، فدافعهم أكثر ليله ، وقد منع منه
[١] في ب : تلفع واعتجار.
[٢] هكذا في ب وفي القلائد. وفي ه : ليلهم.
[٣] ديوان المعتمد بن عباد ص ٦٥.
[٤] في ب ، ه : كما بلّله.