نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٥٤ - وصف القاهرة
بجبل الزمرذ [١] ، وقال عن كتاب ابن حوقل : الفسطاط مدينة عظيمة [٢] ، ينقسم النيل لديها ، وهي كبيرة ، ومقدارها نحو فرسخ ، على غاية العمارة والطيب واللذة ذات رحاب في محالّها ، وأسواق عظام فيها ضيق ، ومتاجر فخام ، ولها ظاهر أنيق ، وبساتين نضرة ، ومنتزهات على ممر الأيام خضرة ، وفي الفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب إليها كالكوفة والبصرة ، إلا أنها أقل من ذلك ، وهي سبخة الأرض ، غير نقية التربة ، وتكون الدار بها سبع طبقات وخمسا وستا ، وربما يسكن في الدار المائتان من الناس ، ومعظم بنيانهم بالطوب ، وأسفل دورهم غير مسكون ، وبها مسجدان للجمعة ، بنى أحدهما عمرو بن العاص في وسط الفسطاط ، والآخر على الموقف بناه ابن طولون ، وكان خارج الفسطاط أبنية بناها أحمد بن طولون ميلا في ميل يسكنها جنده ، وتعرف بالقطائع ، كما بنى بنو الأغلب خارج القيروان رقّادة ، وقد خربتا في وقتنا هذا ، وأخلف الله بدل القطائع بظاهر مدينة الفسطاط القاهرة.
قال ابن سعيد : لما استقررت بالقاهرة تشوّقت [٣] إلى معاينة الفسطاط ، فسار معي إليها أحد أصحاب القرية ، فرأيت عند باب زويلة من الحمير المعدّة لركوب من يسير إلى الفسطاط جملة عظيمة ، لا عهد لي بمثلها في بلد ، فركب منها حمارا ، وأشار إلي أن أركب حمارا آخر ، فأنفت من ذلك جريا على عادة ما خلفته في بلاد المغرب ، فأخبرني أنه غير معيب على أعيان مصر ، وعاينت الفقهاء وأصحاب البزة والشارة الظاهرة [٤] يركبونها ، فركبت ، وعند ما استويت راكبا أشار المكاري إلى الحمار ، فطار بي ، وأثار من الغبار الأسود ما أعمى عيني ، ودنس ثيابي ، وعاينت ما كرهته ، ولقلة معرفتي بركوب الحمار وشدة عدوه على قانون لم أعهده ، وقلة رفق المكاري ، وقعت في تلك الظلمة المثارة من ذلك العجاج ، فقلت : [بحر المتقارب]
| لقيت بمصر أشدّ البوار | ركوب الحمار وكحل الغبار | |
| وخلفي مكار يفوق الريا | ح لا يعرف الرفق مهما استطار | |
| أناديه مهلا فلا يرعوي | إلى أن سجدت سجود العثار | |
| وقد مد فوقي رواق الثرى | وألحد فيها ضياء النهار |
فدفعت إلى المكاري أجرته ، وقلت له : إحسانك أن تتركني أمشي على رجلي ومشيت
[١] في ه : «الزمرد».
[٢] في ب : «حسنة».
[٣] في ب : «تشوفت».
[٤] أصحاب البزة والشارة الظاهرة : أراد العلماء وكبار الرجال.