نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٩ - أسباب دثور قرطبة
وأحسن مأواهم ، واشتغل مع ابن شهيد وابن حزم بالمباحثة في الآداب ، ونظم الشعر ، والتمسك بتلك الأهداب ، والناس في ذلك الوقت أجهل ما يكون ، وكان جماعة من أهل الشرّ في السجون يتعين أن لا يخرج منهم إنسان ، فأخرج منهم شخصا يقال له أبو عمران ، وقد كان أشار بعض الوزراء عليه بعدم إخراجه ، فأخرجه وخالفه في ذلك ، ولم يقبل النصيحة ، وفعل ما أداه إلى الفضيحة ، فسعى القوم الذين خرجوا من الحبوس على إفساد دولته وإبدال فرحه بالبؤس ، لما اشتغل عنهم بالأدباء والشعراء حسبما اقتضاه رأيه المعكوس ، فسعوا في خلعه مع البرابر ، وقتل في ذي القعدة من السنة التي بويع فيها ، وصار كأمس الدابر ، بعد سبعة وأربعين يوما من يوم بويع بالخلافة ، وإذا أراد الله أمرا فلا يقدر أحد أن يأتي خلافه ، وعمره ثلاث وعشرون سنة كأنها سنة [١].
ومن شعر المستظهر المذكور ، وهو من القريض الممدوح صاحبه بالبلاغة المشكور : [مجزوء الرمل]
| طال عمر اللّيل عندي | مذ تولّعت بصدّي | |
| يا غزالا نقض العه | د ولم يوف بوعد | |
| أنسيت العهد إذ بت | نا على مفرش ورد | |
| واعتنقنا في وشاح | وانتظمنا نظم عقد | |
| ونجوم اللّيل تسري | ذهبا في لازورد |
وكتب إليه شاعر في طرس [٢] مكشوط : [الكامل]
| الطّرس مبشور وفيه بشارة | ببقا الإمام الفاضل المستظهر | |
| ملك أعاد العيش غضّا ملكه | وكذا يكون به طوال الأعصر |
فأجزل صلته ، وكتب في ظهر الورقة : [الوافر]
| قبلنا العذر في بشر الكتاب | لما أحكمت في فصل الخطاب |
وقد قدمنا في الباب الثالث شيئا من هذه الأخبار ، وما حصل بعد ذلك بقرطبة إلى أن تولى الأمر ابن جهور في صورة الوزارة ، ثم ابنه ، إلى أن أخذ قرطبة منه المعتمد بن عباد ، حسبما ذكر في أخباره.
[١] السّنة ـ بكسر العين : الغفلة ، أول النوم.
[٢] الطرس : الصحيفة.