نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤١٤ - نقول من ابن سعيد مكين الدولة أبو طالب ابن حديد
بزي بداة الأعراب ، وكان يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيها ، وبات هنالك ، وتحيل حتى عاينها هناك ، فما ملك صبره ، ورجع إلى مقر ملكه ، وأرسل إلى أهلها يخطبها ، وتزوجها ، فلما وصلت إليه صعب عليها مفارقة ما اعتادت ، وأحبت أن تسرّح طرفها في الفضاء ، ولا تنقبض نفسها تحت حيطان المدينة ، فبنى لها البناء المشهور في جزيرة الفسطاط المعروف بالهودج ، وكان غريب الشكل ، على شط النيل ، وبقيت متعلقة الخاطر بابن عم لها ربّيت معه ، يعرف بابن ميّاح ، فكتبت إليه من قصر الآمر : [بحر الرمل]
| يا ابن ميّاح إليك المشتكى | مالك من بعدكم قد ملكا | |
| كنت في حيي طليقا آمرا | نائلا ما شئت منكم مدركا | |
| فأنا الآن بقصر موصد | لا أرى إلا حبيسا ممسكا | |
| كم تثنينا كأغصان النقا | حيث لا نخشى علينا دركا[١] |
فأجابها فقال : [بحر الرمل]
| بنت عمي والتي غذّيتها | بالهوى حتى علا واحتبكا[٢] | |
| بحت بالشكوى وعندي ضعفها | لو غدا ينفع منّا المشتكى | |
| مالك الأمر إليه يشتكى | هالك ، وهو الذي قد أهلكا |
قال : وللناس في طلب ابن ميّاح واختفائه أخبار تطول.
وكان من عرب طيىء في عصر الآمر طراد بن مهلهل ، فقال وقد بلغته هذه الأبيات : [بحر المتقارب]
| ألا بلّغوا الآمر المصطفى | مقال طراد ونعم المقال | |
| قطعت الأليفين عن ألفة | بها سمر الحمى حول الرحال[٣] | |
| كذا كان آباؤك الأكرمون | سألت فقل لي جواب السؤال |
فقال الخليفة الآمر لما بلغته الأبيات : جواب سؤاله قطع لسانه على فضوله ، فطلب في أحياء العرب فلم يوجد ، فقيل : ما أخسر صفقة طراد ، باع عدة أبيات بثلاثة أبيات [٤].
[١] في ب ، ه : «أغصان اللوى».
[٢] في ب : «واحتنكا».
[٣] في ب : «بها سمر الحيّ حول الرحال».
[٤] في نسخة : «باع أبيات الحي بثلاثة أبيات» وهو المعنى.