نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٦٤ - وصف المتنزهات من ترجمة أبي عيسى بن لبون
رباعه ، وكلهم يحييه بكاس ، ويفديه بنفسه من كل باس ، فطابت له ليلته في مشيده ، وأطربه الأنس ببسيطه ونشيده ، فقال : [الخفيف]
| كلّ قصر بعد الدّمشق يذمّ | فيه طاب الجنى وفاح المشمّ | |
| منظر رائق ، وماء نمير | وثرى عاطر ، وقصر أشمّ | |
| بتّ فيه واللّيل والفجر عندي | عنبر أشهب ومسك أحمّ |
وعبر صاحب البدائع عن هذه القصة بقوله : تنزه ابن عمار بالدمشق بقرطبة ، وهو قصر شيده خلفاء بني أمية وزخرفوه ، ودفعوا صرف الدهر عنه وصرفوه ، وأجروه على إرادتهم وصرّفوه ، وذهّبوا سقفه وفضّضوها ، ورخّموا أرضه وروّضوها ، فبات به والسعد يلحظه بطرفه ، والروض يحييه بعرفه ، فلما استنفد كافور الصباح [١] مسك الغسق ، ورصع آبنوس الظلام نضار الشفق ، قال مرتجلا : «كل قصر بعد الدمشق يذم» إلخ ، انتهى.
وقال في ترجمة ذي الوزارتين أبي عيسى بن لبّون : أخبرني الوزير أبو عامر بن الطويل أنه كان بقصر مربيطر بالمجلس الشرقي منها [٢] ، والبطحاء قد لبست زخرفها ، ودبج الغمام مطرفها ، وفيها حدائق ترنو عن مقل نرجسها ، وتبث طيب تنفسها ، والجلنار قد لبس أردية الدماء ، وراع أفئدة الندماء ، فقال : [الكامل]
| قم يا نديم أدر عليّ القرقفا | أو ما ترى زهر الرّياض مفوّفا[٣] | |
| فتخال محبوبا مدلا وردها | وتظنّ نرجسها محبّا مدنفا | |
| والجلّنار دماء قتلى معرك | والياسمين حباب ماء قد طفا |
إلى أن قال : وشرب مع الوزراء الكتاب ببطحاء لورقة عند أخيه ، وابن اليسع غائب عنها [٤] في عشية تجود بدمائها ، ويصوب عليها دمع سمائها ، والبطحاء قد خلع عليها سندسها ، ودرّها [٥] نرجسها ، والشمس تنقض على الربا زعفرانها ، والأنوار تغمض أجفانها ، فكتب إلى ابن اليسع : [البسيط]
| لو كنت تشهد يا هذا عشيّتنا | والمزن يسكب أحيانا وينحدر[٦] | |
| والأرض مصفرّة بالشّمس كاسية | أبصرت تبرا عليه الدّرّ ينتثر[٧] |
[١] في ب : الصباح به مسك.
[٢] في ب ، ه : بالمجلس المشرف منها.
[٣] القرقف : الخمر. ومفوف : مخطط وملون.
[٤] زيادة من قلائد العقيان.
[٥] في ب : ودنرها نرجسها.
[٦] في ب : والمزن تسكب أحيانا وتنحدر.
[٧] في ه ، والقلائد : والأرض مصفرة بالمزن كاسية.