نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٢٥ - بين الرشيد والمأمون وجارية
| ليت لو كان لي إليه سبيل | فأقضّي من الهوى أوطاري[١] |
قال : فلما أكملت الغنا ، أحسست بالمعنى ، فقلت : [الخفيف]
| كيف كيف الوصول للأقمار | بين سمر القنا وبيض الشّفار | |
| لو علمنا بأنّ حبّك حقّ | لطلبنا الحياة منك بثار | |
| وإذا ما الكرام همّوا بشيء | خاطروا بالنّفوس في الأخطار |
قال : فعند ذلك بادر المنصور لحسامه ، وغلظ في كلامه ، وقال لها : قولي واصدقي إلى من تشيرين ، بهذا الشوق والحنين؟ فقالت الجارية : إن كان الكذب أنجى ، فالصدق أحرى وأولى ، والله ما كانت إلا نظرة ، ولّدت في القلب فكرة ، فتكلّم الحب على لساني ، وبرّح الشوق بكتماني ، والعفو مضمون لديك عند المقدرة ، والصفح معلوم منك عند المعذرة ، ثم بكت فكأن دمعها در تناثر من عقد ، أو طلّ تساقط من [٢] ورد ، وأنشدت :
| أذنبت ذنبا عظيما | فكيف منه اعتذاري؟ | |
| والله قدّر هذا | ولم يكن باختياري | |
| والعفو أحسن شيء | يكون عند اقتدار |
قال : فعند ذلك صرف المنصور وجه الغضب إليّ ، وسلّ سيف السخط عليّ ، فقلت: أيدك الله تعالى! إنما كانت هفوة جرها الفكر ، وصبوة أيدها النظر ، وليس للمرء إلا ما قدر له ، لا ما اختاره وأمله ، فأطرق المنصور قليلا ثم عفا وصفح ، وتجاوز عنا وسمح ، وخلي سبيلي ، فسكن وجيب قلبي وغليلي ، ووهب الجارية لي فبتنا بأنعم ليلة ، وسحبنا فيها للصّبا ذيله ، فلما شمر الليل غدائره ، وسلّ الصباح بواتره ، وتجاوبت الأطيار بضروب الألحان ، في أعالي الأغصان ، انصرفت بالجارية إلى منزلي ، وتكامل سروري.
قال بعضهم : ذكرتني حكاية أبي المغيرة هذه حكاية قرأتها في النوادر لأبي علي القالي البغدادي حذت في الظرف حذوها [٣] ، وزهت في الإغراب زهوها ، وهي ما أسنده عن منصور البرمكي أنه كانت للرشيد جارية غلامية وكان المأمون يميل إليها ، وهو إذ ذاك أمرد ، فوقفت تصبّ على يد الرشيد من إبريق معها ، والمأمون خلف الرشيد [٤] ، فأشار إليها يقبلها[٥] ،
[١] في ب ، ه : من حبه أوطاري ، وفي ه : وأقضي.
[٢] الطلّ : المطر الخفيف.
[٣] أمالي القالي ج ١ ص ٢٢٢.
[٤] في ب : والمأمون جالس خلف الرشيد.
[٥] في ب : فأشار إليها كأنه يقبلها.