نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٠٢ - المنصور وعبد الملك بن إدريس الخولاني
| ويكاد من يرقى إليه مرّة | من عمره يشكو انقطاع الأبهر[١] |
ودخل ليلة على المنصور والمنصور قد اتكأ وارتفق ، وتحلى بمجلسه ذلك الأفق ، والدّنيا بمجلسه ذلك مسوقة ، وأحاديث الأماني به منسوقة ، فأمره بالنزول عنده [٢] فنزل في جملة الأصحاب ، والقمر يظهر ويحتجب في السحاب ، والأفق يبدو به أغر ثم يعود مبهما ، والليل يتراءى منه أشقر ثم يعود أدهما ، وأبو مروان قد انتشى ، وجال في ميدان الأنس ومشى ، وبرد خاطره قد دبجه السرور ووشى ، فأقلقه ذلك المغيب والالتياح ، وأنطقه ذلك السرور والارتياح ، فقال : [الوافر]
| أرى بدر السّماء يلوح حينا | فيبدو ثمّ يلتحف السّحابا | |
| وذلك أنّه لمّا تبدّى | وأبصر وجهك استحيا فغابا | |
| مقال لو نمى عندي إليه | لراجعني بذا حقّا جوابا |
وله في مدة اعتقاله ، وتردّده في قيله وقاله : [الكامل]
| شحط المزار فلا مزار ، ونافرت | عيني الهجوع فلا خيال يعتري | |
| أزري بصبري وهو مشدود القوى | وألان عودي وهو صلب المكسر[٣] | |
| وطوى سروري كلّه وتلذّذي | بالعيش طيّ صحيفة لم تنشر | |
| ها إنّما ألقى الحبيب توهّما | بضمير تذكاري وعين تذكّري | |
| عجبا لقلبي يوم راعتني النّوى | ودنا وداع كيف لم يتفطّر[٤] |
رجع إلى المنصور : وكان المنصور إذا أراد أمرا مهما شاور أرباب الدولة والأكابر [٥] من خدام الدولة الأموية ، فيشيرون عليه بالوجه الذي عرفوه وجرت الدولة الأموية عليه ، فيخالفهم إلى المنهج الذي ابتدعه ، فيقضون في أنفسهم بالهلاك في الطريق الذي سلكه ، والمهيع الذي اخترعه [٦] ، فتسفر العاقبة عن السلامة التامة التي اقتضاها سعده ، فيكثرون التعجب من موارد أموره ومصادرها.
وقيل له مرة : إن فلانا مشؤوم فلا تستخدمه ، فقال : أف لسعد لا يغطي على شؤمه ، فاستخدمه ، ولم ينله من شؤمه الذي جرت به العادة شيء.
[١] الأبهر : وريد العنق.
[٢] عنده : غير موجودة في ب.
[٣] في ب ، ج : مشدود العرى.
[٤] في ه ، ب : ودنا وداعي كيف لم يتفطر.
وتفطر : تصدع.
[٥] في ب : أرباب الدولة الأكابر.
[٦] المهيع : الطريق البيّن الواسع.