نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٥٧ - وصف المتنزهات من ترجمة الراضي بالله بن عباد
ووزير ، إلى أن ولى النهار فحيانا ، وأقبل الليل المميت فأحيانا ، فوصلنا بلهو وقصف ، وعيش يتجاوز كلّ وصف ، فكأن يومنا مقيم ، أو كأن ليلنا من الظلام عقيم ، ولما سل الفجر حسامه ، وأبدى لعبوس الليل ابتسامه ، وجاء يختال اختيالا ، ويمحو من بقايا الليل نيالا ، قمنا نتنادب للمسير ، وكلنا في يد النشوة أسير ، فسرنا والملك الأجل يقدمنا ، والأيام تخدمنا ، فلا زالت الأيام به زاهية ، وعن سواه لاهية ، ما عمر وكرا عقاب ، وكان للشهور غرر وأعقاب ، انتهى.
وقال الفتح في ترجمة الراضي بالله أبى خالد يزيد بن المعتمد بن عباد بعد كلام ما صورته : وأخبرني المعتدّ بالله أن أباه المعتمد [١] وجّهه ـ يعني أخاه الراضي ـ إلى شلب واليا ، وكانت ملعب شبابه ، ومألف أحبابه ، التي عمر نجودها غلاما ، وتذكر عهودها أحلاما ، وفيها يقول يخاطب ابن عمار وقد توجه إليها : [الطويل]
| ألا حيّ أوطاني بشلب أبا بكر | وسلهنّ هل عهد الوصال كما أدري | |
| وسلّم على قصر الشّراجيب من فتى | له أبدا شوق إلى ذلك القصر |
وقصر الشراجيب هذا متناه في البهاء والإشراق ، مباه لزوراء العراق ، ركضت فيه جياد راحاته ، وأومضت بروق أمانيه في ساحاته ، وجرى الدهر مطيعا بين بكره وروحاته ، أيام لم تحل عنه تمائمه ، ولا خلت من أزاهير [٢] الشباب كمائمه ، وكان يعتدها مشتهى [٣] آماله ، ومنتهى أعماله ، إلى بهجة جنباتها ، وطيب نفحاتها وهبّاتها ، والتفاف خمائلها ، وتقلدها بنهرها مكان حمائلها ، وفيها يقول ابن اللّبّانة : [الطويل]
| أما علم المعتدّ بالله أنّني | بحضرته في جنّة شقّها نهر[٤] | |
| وما هو نهر أعشب النّبت حوله | ولكنّه سيف حمائله خضر |
فلما صدر عنها وقد حسنت آثاره في تدبيرها ، وانسدلت رعايته على صغيرها وكبيرها ، نزل المعتمد عليه مشرفا لأوبته ، ومعرفا بسموّ قدره لديه ورتبته ، وأقام يومه عنده مستريحا ، وجرى في ميدان الأنس بطلا مشيحا ، وكان واجدا على الراضي فجلت الحميّا أفقه ، ومحت غيظه عليه وحنقه ، وصورته له عين حنوّه ، وذكرته بعده فجنح إلى دنوّه ، وبين ما استدعى وأوفى ، مالت بالمعتمد نشوته وأغفى ، وألقاه صريعا في منتداه ، طريحا في منتهى مداه ، فأقام تجاهه ، يرتقب انتباهه ، وفي أثناء ذلك صنع شعرا أتقنه وجوّده ، فلما استيقظ أنشده : [المتقارب]
[١] في ب ، ه : وأخبرني المعتز.
[٢] في ب : من أزهار الشباب.
[٣] في ب ، ه : محيا آماله. وفي القلائد : مجنى آماله.
[٤] في ب ، ه : أما علم المعتز بالله أنني.