نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٠٩ - ترجمة القاضي أبي بكر بن العربي المعافري
فقالوا : بل منهم ، فقال : «بل منكم ، لأنكم تجدون على الخير أعوانا [١] ، وهم لا يجدون عليه أعوانا» وتفاوضنا كيف يكون أجر من يأتي من الأمّة أضعاف أجر الصحابة مع أنهم قد أسّسوا الإسلام ، وعضدوا الدين وأقاموا المنار ، وافتتحوا الأمصار ، وحموا البيضة ، ومهّدوا الملة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح : «لو أنفق أحدكم كلّ يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» فتراجعنا القول ، وتحصل ما أوضحناه في شرح الصحيح ، وخلاصته : أن الصحابة كانت لهم أعمال كثيرة لا يلحقهم فيها أحد ، ولا يدانيهم فيها بشر ، وأعمال سواها من فروع الدين يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم ، وخلّصها من شوائب البدع والرياء بعدهم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم هو ابتداء الدين والإسلام ، وهو أيضا انتهاؤه ، وقد كان قليلا في ابتداء الإسلام ، صعب المرام ، لغلبة الكفار على الحق ، وفي آخر الزمان أيضا يعود كذلك ، لوعد الصادق صلى الله عليه وسلم بفساد الزمان ، وظهور الفتن ، وغلبة الباطل ، واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق ، وركوب من يأتي سنن [٢] من مضى من أهل الكتاب ، كما قال صلى الله عليه وسلم : «لتركبنّ سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتّى لو دخلوا جحر ضبّ خرب لدخلتموه» وقال صلى الله عليه وسلم : «بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ» [٣]. فلا بد والله تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق أن يرجع الإسلام إلى واحد ، كما بدأ من واحد ، ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى إذا قام به قائم مع احتواشه [٤] بالمخاوف وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه كان له من الأجر أضعاف ما كان لمن كان متمكنا منه معانا عليه بكثرة الدّعاء إلى الله تعالى ، وذلك قوله : «لأنّكم تجدون على الخير أعوانا وهم لا يجدون عليه أعوانا» حتى ينقطع ذلك انقطاعا باتّا لضعف اليقين وقلة الدين ، كما قال صلى الله عليه وسلم : «لا تقوم السّاعة حتّى لا يقال في الأرض الله الله» [٥] يروى برفع الهاء ونصبها ، فالرفع على معنى لا يبقى موحد يذكر الله عز وجل ، والنصب على معنى لا يبقى آمر بمعروف ولا ناه عن المنكر [٦] يقول : أخاف الله ، حينئذ يتمنى العاقل الموت ، كما قال صلى الله عليه وسلم : «لا تقوم السّاعة حتّى يمرّ الرّجل بقبر الرّجل فيقول : يا ليتني كنت مكانه» [٧] انتهى وأنشد رحمه الله تعالى لبعض الصوفية : [السريع]
| امتحن الله بذا خلقه | فالنّار والجنّة في قبضته | |
| فهجره أعظم من ناره | ووصله أطيب من جنّته |
[١] انظر مجمع الزوائد ج ٧ ص ٢٨٢.
[٢] سنن الطريق : نهجه وجهته.
[٣] انظر مجمع الزوائد ج ٧ ص ٢٧٧ ـ ٢٧٩.
[٤] احتواشه بالمخاوف : إحاطته بالمخاوف.
[٥] انظر مجمع الزوائد ج ٨ ص ١٢.
[٦] في ب : عن منكر.
[٧] صحيح مسلم ج ٢ ص ٣٧٨ ، ومجمع الزوائد ج ٧ ص ٢٨٢.