نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٨٣ - أبو الحسن علي بن موسى العنسي
| يا بأبي الشخص الذي لا أرى | أحلى على قلبي ، ولا أعذبا[١] | |
| إن قلت يوما إنّ عيني رأت | مشبهه أم أعد أن أكذبا | |
| قالت أرى فوديه قد نوّرا | دعابة توجب أن أدعبا[٢] | |
| قلت لها : ما باله؟ إنه | قد ينتج المهر كذا أشهبا | |
| فاستضحكت عجبا بقولي لها | وإنما قلت لكي تعجبا |
قال : ولما فهمها الترجمان شعر الغزال ضحكت ، وأمرته بالخضاب ، فغدا عليها وقد اختضب وقال [بحر الكامل] :
| بكرت تحسّن لي سواد خضابي | فكأن ذاك أعادني لشبابي | |
| ما الشيب عندي والخضاب لواصف | إلا كشمس جلّلت بضباب | |
| تخفي قليلا ثم يقشعها الصّبا | فيصير ما سترت به لذهاب | |
| لا تنكري وضح المشيب فإنما | هو زهرة الأفهام والألباب | |
| فلديّ ما تهوين من زهو [٣] الصبا | وطلاوة الأخلاق والآداب |
وحكى ابن حيان في «المقتبس» أن الأمير عبد الرحمن بن الحكم المرواني وجّه شاعره الغزال إلى ملك الروم ، فأعجبه حديثه ، وخف على قلبه ، وطلب منه أن ينادمه ، فامتنع من ذلك ، واعتذر بتحريم الخمر ، وكان يوما جالسا عنده ، وإذا بزوجة الملك قد خرجت وعليها زينتها ، وهي كالشمس الطالعة حسنا ، فجعل الغزال لا يميل طرفه عنها ، وجعل الملك يحدثه وهولاه عن حديثه ، فأنكر ذلك عليه ، وأمر الترجمان بسؤاله ، فقال له : عرّفه أني قد بهرني من حسن هذه الملكة ما قطعني عن حديثه ، فإني لم أر قط مثلها ، وأخذ في وصفها والتعجب من جمالها ، وأنها شوقته إلى الحور العين ، فلما ذكر الترجمان ذلك للملك تزايدت حظوته عنده ، وسرّت الملكة بقوله ، وأمرت الترجمان أن يسأله عن السبب الذي دعا المسلمين إلى الختان ، وتجشّم المكروه فيه ، وتغيير خلق الله ، مع خلوّه من الفائدة ، فقال للترجمان : عرفها أن فيه أكبر فائدة ، وذلك أن الغصن إذا زبر قوي [٤] ، واشتد ، وغلظ ، وما دام لا يفعل به ذلك لا يزال رقيقا ضعيفا ، فضحكت وفطنت لتعريضه ، انتهى.
[١] بأبي : أفدي بأبي.
[٢] الفودان : مثنى فود ، وهو الشعر الذي على جانب الرأس مما يلي الأذنين.
[٣] في ب : «شأن».
[٤] زبر الغصن : هذّبه بالقطع وشذّبه.