نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٨٦ - ترجمة الفقيه المحدث يحيى بن يحيى الليثي
| لا تنظرنّ إلى جسمي وقلّته | وانظر لصدري وما يحوي من السّنن | |
| فربّ ذي منظر من غير معرفة | وربّ من تزدريه العين ذو فطن | |
| وربّ لؤلؤة في عين مزبلة | لم يلق بال لها إلّا إلى زمن |
انتهى ما في المطمح الصغير.
قلت : أمّا ما ذكره من عدم معرفته بالحديث فهو غير مسلم ، وقد نقل عنه غير واحد من جهابذة المحدّثين [١] ، نعم لأهل الأندلس غرائب لم يعرفها كثير من المحدثين ، حتى إن في شفاء عياض أحاديث لم يعرف أهل المشرق النقّاد مخرجها ، مع اعترافهم بجلالة حفاظ الأندلس الذين نقلوها كبقيّ بن مخلد وابن حبيب وغيرهما على ما هو معلوم.
وأما ما ذكره عنه بالإجازة [٢] بما في الغرارة فذلك على مذهب من يرى الإجازة ، وهو مذهب مستفيض ، واعتراض من اعترض عليه إنما هو بناء على القول بمنع الإجازة ، فاعلم ذلك ، والله سبحانه الموفق.
٢ ـ ومن الراحلين من الأندلس الفقيه المحدّث يحيى بن يحيى الليثي راوي الموطّأ عن مالك رضي الله تعالى عنه ، ويقال : إن أصله من برابر مصمودة [٣] ، وحكي أنه لما ارتحل إلى مالك لازمه ، فبينما هو عنده في مجلسه مع جماعة من أصحابه إذ قال قائل : قد [٤] حضر الفيل ، فخرج أصحاب مالك كلهم ، ولم يخرج يحيى ، فقال له مالك : مالك لم تخرج وليس الفيل في بلادك؟ فقال : إنما جئت من الأندلس لأنظر إليك ، وأتعلم من هديك وعلمك ، ولم أكن لأنظر إلى الفيل ، فأعجب به مالك ، وقال : هذا عاقل الأندلس ، ولذلك قيل : إن يحيى هذا عاقل الأندلس ، وعيسى بن دينار فقيهها ، وعبد الملك بن حبيب عالمها [٥] ، ويقال : إن يحيى راويها ومحدثها ، وتوفي يحيى بن يحيى سنة ٢٣٤ في رجب [٦] ، وقبره يستسقى به بقرطبة ، وقيل : إن وفاته في السنة التي قبلها ، والله تعالى أعلم.
وروايته الموطأ مشهورة ، حتى إن أهل المشرق الآن يسندون الموطأ من روايته كثيرا ، مع تعدّد رواة الموطأ ، والله أعلم.
[١] الجهابذة : جمع جهبذ ؛ وهو الخبير بالأمور ، المميز بين جيدها ورديئها.
[٢] في ب : في الإجازة.
[٣] مصمودة : قبيلة من قبائل البربر كثيرة العدد ، قوية.
[٤] قد : غير موجودة في ب.
[٥] هذا القول لمحمد بن عمر بن لبابة ، وقد ورد في ترجمة عبد الملك بن حبيب السلمي.
[٦] في ب : برجب.