نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٥١ - ترجمة أبي عمران موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد (من المغرب)
شاهدت من عجائبه أنه عاش سبعا وستين سنة ولم أره يوما تخلى عن [١] مطالعة كتاب أو كتب ما يخلده ، حتى إن أيام الأعياد لا يخليها من ذلك ، ولقد دخلت عليه في يوم عيد وهو في جهد عظيم من الكتب ، فقلت له : يا سيدي ، أفي هذا اليوم لا تستريح؟ فنظر إلي كالمغضب وقال : أظنك لا تفلح أبدا ، أترى الراحة في غير هذا؟ والله لا أحسب راحة تبلغ مبلغها ، ولوددت أن الله تعالى يضاعف عمري حتى أتم كتاب «المغرب» على غرضي ، قال : فأثار ذلك في خاطري أن صرت مثله لا ألتذّ بنعيم غير ما ألتذ به من هذا الشأن ، ولو لا ذلك ما بلغ هذا التأليف إلى ما تراه ، وكان أولع الناس بالتجول في البلدان ، ومشاهدة الفضلاء ، واستفادة ما يرى وما يسمع ، وفي تولّعه بالتقييد والمطالعة للكتب يقول : [بحر البسيط]
| يا مفنيا عمره في الكأس والوتر | وراعيا في الدّجى للأنجم الزهر | |
| يبكى حبيبا جفاه أو ينادم من | يهفو لديه كغصن باسم الزهر | |
| منعّما بين لذات يمحقها | ولا يخلد من فحر ولا سير | |
| وعاذلا لي فيما ظلت أكتبه | يبدي التعجب من صبري ومن فكري | |
| يقول مالك قد أفنيت عمرك في | حبر وطرس عن الأغصان والحبر | |
| وظلت تسهر طول الليل في تعب | ولا تني [٢] أمد الأيام في ضجر | |
| أقصر فإني أدري بالذي طمحت | لأفقه همتي واسأل عن الأثر | |
| واسمع لقول الذي تتلى محاسنه | من بعد ما صار مثل الترب كالسور | |
| جمال ذي الأرض كانوا في الحياة ، وهم | بعد الممات جمال الكتب والسير [٣] |
وولد أبو عمران موسى بن محمد في الخامس من رجب عام ثلاثة وسبعين وخمسمائة ، وتوفي بثغر الإسكندرية يوم الاثنين الثامن من شوّال عام أربعين وستمائة.
وولد أبوه محمد بن عبد الملك صاحب أعمال غرناطة وأعمال إشبيلية عام أربعة عشر وخمسمائة ، وتوفي بشعبان عام تسعة وثمانين وخمسمائة بغرناطة.
وكان محمد بن عبد الملك وزيرا جليلا ، بعيد الصيت ، عالي الذكر ، رفيع الهمة ، كثير الأموال ، وذكره ابن صاحب الصّلات [٤] في كتابه «تاريخ الموحّدين» ونبه على مكانته منهم في
[١] في ب : «يخلي مطالعة كتاب. وفي ه : «يتخلى من».
[٢] لا تني : لا تفتر.
[٣] في ب : «انتهى».
[٤] في ب : «الصلاة».