نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٩٧ - المنية العامرية
أبي عامر منذ نزل قصر الزاهرة وتوسّع مع الأيام في تشييد أبنيتها حتى كملت أحسن كمال ، وجاءته في نهاية الجمال ، تفاوت بناء [١] ، وسعة فناء ، واعتدال هواء ، رقّ أديمه ، وصقالة جوّ اعتلّ نسيمه ، ونضرة بستان ، وبهجة للنفوس فيها افتنان ، وفيها يقول صاعد اللغوي : [البسيط]
| يا أيّها الملك المنصور من يمن | والمبتني نسبا غير الّذي انتسبا | |
| بغزوة في قلوب الشّرك رائعة | بين المنايا تناغي السّمر والقضبا[٢] | |
| أما ترى العين تجري فوق مرمرها | زهوا فتجري على أحفافها الطّربا[٣] | |
| أجريتها فطما الزّاهي بجريتها | كما طموت فسدت العجم والعربا | |
| تخال فيه جنود الماء رافلة | مستلئمات تريك الدّرع واليلبا[٤] | |
| تحفّها من فنون الأيك زاهرة | قد أورقت فضّة إذ أورقت ذهبا | |
| بديعة الملك ما ينفكّ ناظرها | يتلو على السّمع منها آية عجبا | |
| لا يحسن الدّهر أن ينشي لها مثلا | ولو تعنّت فيها نفسه طلبا |
ودخل عليه ابن أبي الحباب في بعض قصوره من المنية المعروفة بالعامرية ، والروض قد تفتحت أنواره ، وتوشحت أنجاده وأغواره ، وتصرّف فيها الدهر متواضعا ، ووقف بها السعد خاضعا ، فقال : [البسيط]
| لا يوم كاليوم في أيّامك الأول | بالعامريّة ذات الماء والظّلل | |
| هواؤها في جميع الدّهر معتدل | طيبا وإن حلّ فصل غير معتدل | |
| ما إن يبالي الّذي يحتلّ ساحتها | بالسّعد أن لا تحلّ الشّمس بالحمل |
وما زالت هذه المنية [٥] رائقة ، والسّعود بلبّتها متناسقة ، تراوحها الفتوح وتغاديها ، وتجلب إليها منكسرة أعاديها ، لا تزحف عنها راية إلا إلى فتح ، ولا يصدر عنها تدبير إلا إلى نجح ، إلى أن حان يومها العصيب ، وقيض لها من المكروه أوفر نصيب ، فتولت فقيدة ، وخلت من بهجتها كل عقيدة ، انتهى.
[١] في ب : نقاوة بناء.
[٢] السمر : الرماح. والقضب : جمع قضيب ، وهو السيف القاطع.
[٣] في ب : هوى فتجري على أضعافها الطربا.
[٤] اليلب : الترس.
[٥] الجذوة ص ٣٧٧.