نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٧٠ - وصف المتنزهات من شعر ابن خفاجة
من المحاسن ، في كلام غير واحد ممن يجري ذكره في هذا الكتاب ، وخصوصا أديب زمانه غير مدافع ، من اعترف له أهل الشرق ، بالسبق ، وأهل المغرب ، بالإبداع المغرب ، النور أبو الحسن علي بن سعيد العنسي ، فإنه لما اتصل بمصر [١] ودخلها اشتاق إلى تلك المواطن الأندلسية الرائقة ، ووصفها بالقصائد والمقطوعات الفائقة ، وقد أسلفنا أيضا فيما مر من هذا الكتاب بعض ما يتعلق بمحاسن [٢] الأندلس ، فليراجع في محله من هذا الكتاب.
قلت : وما ذا عسى أن نذكر من محاسن قرطبة الزهراء والزهرا ، أو نصف من محاسن الأندلس التي تبصر بكل موضع منها ظلا ضافيا ونهرا صافيا [٣] وزهرا ، ويرحم الله تعالى أديبها المشهور ، الذي اعترف له بالسبق الخاصة والجمهور ، أبا إسحاق بن خفاجة ، إذ قال [٤] : [البسيط]
| يا أهل أندلس لله درّكم | ماء وظلّ وأنهار وأشجار | |
| ما جنّة الخلد إلّا في دياركم | ولو تخيّرت هذا كنت أختار | |
| لا تحسبوا في غد أن تدخلوا سقرا | فليس تدخل بعد الجنّة النّار[٥] |
ويروى مكان قوله : وهذه كنت لو خيرت أختار.
وكذا رأيت بخط الحافظ التّنسي [٦] ، والأول رأيته بخط العلامة الوانشريشي ، رحمهما الله تعالى!.
وحكي أن الخليليّ لما قدم من الأندلس رسولا إلى سلطان المغرب أبي عنان فارس ابن السلطان أبي الحسن المريني أنشد بحضرة السلطان المذكور أبيات ابن خفاجة هذه كالمفتخر ببلاد الأندلس ، فقال السلطان أبو عنان : كذب هذا الشاعر ، يشير إلى كونه جعلها جنة الخلد ، وأنه لو خير لاختارها على ما في الآخرة ، وهذا خروج من ربقة الدين ، ولا أقلّ من الكذب والإغراق ، وإن جرت عادة الشعراء بذلك الإطلاق ، فقال الخليليّ : يا مولانا ، بل صدق
[١] في ب ، ه : فإنه لما دخل مصر.
[٢] في ب ، ه : محاسن قرطبة الزاهرة والزهرا.
[٣] في ب : ونهرا وزهرا.
[٤] ديوان ابن خفاجة ص ٢٦٤.
[٥] في ج : لا تختشوا بعد ذا أن تدخلوا سقرا.
[٦] التنسي : نسبة إلى قرية تنس وهي بلدة في ساحل إفريقية.