نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٠٠ - ترجمة القاضي أبي بكر بن العربي المعافري
وكان قد صحب المهدي محمد بن تومرت بالمشرق ، فأوصى عليه عبد المؤمن وكان مكرما عنده ، وحكي أنه كتب كتابا فأشار عليه بعض من حضر أن يذرّ عليه نشارة ، فقال : قف ، ثم فكر ساعة ، وقال : اكتب : [الخفيف]
| لا تشنه بما تذرّ عليه | فكفاه هبوب هذا الهواء | |
| فكأنّ الّذي تذرّ عليه | جدريّ بوجنة حسناء |
ولقي أبا بكر الطّرطوشي ، وما برح معظما إلى أن تولى خطة القضاء ، ووافق ذلك أن احتاج سور إشبيلية إلى بنيان جهة منه ، ولم يكن بها [١] مال متوفر ، ففرض على الناس جلود ضحاياهم ، وكان ذلك في عيد أضحى ، فأحضروها كارهين ، ثم اجتمعت العامة العمياء ، وثارت عليه ، ونهبوا داره ، وخرج إلى قرطبة.
وكان في أحد أيام الجمع قاعدا ينتظر الصلاة ، فإذا بغلام رومي وضيء قد جاء يخترق الصفوف بشمعة في يده وكتاب معتّق ، فقال : [السريع]
| وشمعة تحملها شمعة | يكاد يخفي نورها نارها | |
| لو لا نهى نفس نهت غيّها | لقبّلته وأتت عارها[٢] |
ولما سمعهما أبو عمران الزاهد قال : إنه لم يكن يفعل ، ولكنه هزته أريحية الأدب ولو كنت أنا لقلت : [البسيط]
| لو لا الحياء وخوف الله يمنعني | وأن يقال صبا موسى على كبره[٣] | |
| إذا لمتّعت لحظي في نواظره | حتى أوفّي جفوني الحقّ من نظره |
رجع إلى أخبار ابن العربي ـ فنقول : إنه سمع بالأندلس أباه وخاله أبا القاسم الحسن الهوزني وأبا عبد الله السّرقسطي ، وببجاية أبا عبد الله الكلاعي ، وبالمهدية أبا الحسن بن الحداد الخولاني ، وسمع بالإسكندرية من الأنماطي ، وبمصر من أبي الحسن الخلعي وغيره ، وبدمشق غير واحد كأبي الفتح نصر المقدسي ، وبمكة أبا عبد الله الحسين الطبري وابن طلحة وابن بندار ، وقرأ الأدب على التبريزي ، وعمل رحمه الله تعالى على مدينة إشبيلية سورا بالحجارة والآجر بالنورة من ماله ، وكان ـ كما في الصلة [٤] ـ حريصا على آدابها وسيرها [٥] ،
[١] في ب ، ه : فيها.
[٢] النهى : العقل.
[٣] صبا : مال من اللهو.
[٤] في ب : في الصلة ـ مقدمة في المعارف كلها حريصا على أدائها ونشرها.
[٥] في ب : في الصلة ـ مقدمة في المعارف كلها حريصا على أدائها ونشرها.