نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٥٣ - وصف ابن سعيد للفسطاط
غرناطة ، وكان وزيره ومدبر دولته عبد الملك بن سعيد ، بادر الفرار لغرناطة عند ما سمع بموته إلى قلعته ، وثار بها ، وطلبه خليفة يحيى بن غانية طلحة بن العنبر ، فوجده قد فاته.
وقد قدمنا أن عبد الملك هذا هو السبب في تأليف كتاب «المغرب ، في أخبار المغرب» ثم تممه ابنه محمد بن عبد الملك ، ثم تمم ما بقي منه ابنه موسى بن محمد ، ثم أربى على الكل في إتمامه أبو الحسن علي بن موسى الذي قصدناه بالترجمة في هذا الكتاب ، وقد ذكرنا من أحواله جملة كافية.
ومن فوائد ابن سعيد أبي الحسن ما حكاه عن صاحب كتاب «الكمائم» [١] وهو : فأما فسطاط مصر فإن مبانيها كانت في القديم متصلة بمباني مدينة عين شمس ، وجاء الإسلام وبها بناء يعرف بالقصر حوله مساكن ، وهو الذي عليه نزل عمرو بن العاص ، وضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع المنسوب إليه ، ثم لما فتحها قسم المنازل على القبائل ، ونسب المدينة إليه ، فقيل : فسطاط عمرو ، وتداولت عليها بعد ذلك ولاة مصر ، فاتخذوها سرير السلطنة ، وتضاعفت عمارتها ، فأقبل الناس من كل جانب إليها ، وقصروا أمانيهم عليها ، إلى أن رسخت بها دولة بني طولون ، فبنوا إلى جانبها المنازل المعروفة بالقطائع ، وبها كان مسجد ابن طولون الذي هو الآن إلى جانب القاهرة ، وهي مدينة مستطيلة يمر النيل مع طولها ، وتحطّ في ساحلها المراكب الآتية من شمال النيل وجنوبه بأنواع الفوائد ، وبها منتزهات ، وهي في الإقليم الثالث ، ولا ينزل فيها مطر إلا في النادر ، وترابها ينتن الأرجل ، وهو قبيح اللون ، تستكدر منه أرجاؤها ، ويسوء بسببه هواؤها ، ولها أسواق ضخمة إلا أنها ضيقة ، ومبانيها بالقصب والطوب طبقة على طبقة ، ومذ بنيت القاهرة ضعفت مدينة الفسطاط ، وفرّط في الاعتناء بها بعد الإفراط ، وبينهما نحو ميلين ، وأنشدت فيها للشريف العقيلي [٢] : [بحر الطويل]
| أحنّ إلى الفسطاط شوقا وإنني | لأدعو لها أن لا يحل بها القطر | |
| وهل في الحيا من حاجة لجنابها | وفي كل قطر من جوانبها نهر | |
| تبدت عروسا والمقطّم تاجها | ومن نيلها عقد كما انتظم الدر |
وقال عن كتاب إجار : والفسطاط هو قصبة مصر ، والجبل المقطم شرقيها ، وهو متصل
[١] كتاب الكمائم للبيهقي.
[٢] الشريف العقيلي : هو أبو الحسن علي بن الحسين بن حيدرة من شعراء القرن الرابع. أكثر شعره في الوصف (انظر المغرب ج ١ ص ٢٠٥).