نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٥٠ - أبو علي الصيرفي القاضي
الصيرفي ، وطراد الزينبي ، والحميدي ، وغيرهم ، وتفقه عند أبي بكر الشاشي وغيره ، ثم رحل منها سنة سبع وثمانين ، فسمع بدمشق من أبي الفتح نصر المقدسي وأبي الفرج الإسفرايني [١] وغيرهما ، وسمع بمصر من القاضي أبي الحسن الخلعي وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي ، وأجاز له الحبال مسند مصر في وقته ومكثرها ، وسمع بالإسكندرية من أبي القاسم الوراق [٢] وشعيب بن سعيد وغيرهما ، ووصل إلى الأندلس في صفر من سنة سبعين وأربعمائة [٣] ، وقصد مرسية ، فاستوطنها ، وقعد يحدّث الناس بجامعها ، ورحل الناس من البلدان إليه ، وكثر سماعهم عليه ، وكان عالما بالحديث وطرقه ، عارفا بعلله ، وأسماء رجاله ونقلته ، وكان حسن الخط جيد الضبط ، وكتب بخطه علما كثيرا ، وقيّده ، وكان حافظا لمصنفات الحديث ، قائما عليها ، ذاكرا لمتونها وأسانيدها ورواتها [٤] ، وكتب منها صحيح البخاري في سفر [٥] ، وصحيح مسلم في سفر ، وكان قائما على الكتابين مع مصنّف أبي عيسى الترمذي ، وكان فاضلا ، ديّنا ، متواضعا ، حلوما ، وقورا ، عالما ، عاملا ، واستقضي بمرسية ، ثم استعفى فأعفي ، وأقبل على نشر العلم وبثّه.
وقد ذكره أبو القاسم بن عساكر في تاريخه لدخوله الشام ، قال : وبعد أن استقرت به النوى ، واستمرت إفادته بما قيد وروى ، رفعته ملوك أوانه ، وشفّعته في مطالب إخوانه ، فأوسعته رعيا ، وأحسنت فيه رأيا ، ومن أبنائهم من جعل يقصده ، لسماع يسنده ، وعلى وقاره الذي كان به يعرف ، ندر له مع بعضهم ما يستطرف [٦] ، وهو أن فتى يسمى يوسف لازم مجلسه ، معطرا رائحته ومنظفا ملبسه ، ثم غاب لمرض قطعه ، أو شغل منعه ، ولما فرغ أو أبلّ [٧] ، عاود ذلك النادي المبارك والمحل ، وقبل إفضائه إليه ، دلّ طيبه عليه ، فقال الشيخ على سلامته من المجون ، وخلاصه من الفتون (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ) [يوسف : ٩٤] وهي من طرف نوادره [٨] ، رحمة الله عليه.
ولما قلّد قضاء مرسية وعزم عليه صاحب الأمر فيه فر إلى المرية فأقام بها سنة خمس وبعض سنة ست وخمسمائة ، وفي سنة ست قبل قضاءها على كره إلى أن استخفى آخر سنة
[١] في ب : الاسفراييني.
[٢] اسمه : مهدي بن يونس.
[٣] في ب ، ج : سنة ٤٩٠.
[٤] في بعض النسخ : وروايتها.
[٥] السفر ، بكسر السين وسكون الفاء : الكتاب الضخم.
[٦] في ه : ما يستظرف.
[٧] أبل من مرضه : شفي.
[٨] في ه : ظرف نوادره.