نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٣٩ - وصف المتنزهات من ترجمة بني القبطرنة
زهر فارق كمائمه ، فسأل أبا الحسين بن سراج أن يقول فيه ، فأرتج عليه [١] ، فثنى عنان القول إليه ، فقال : [الطويل]
| رأى صاحبي عمرا فكلّف وصفه | وحمّلني من ذاك ما ليس في الطّوق | |
| فقلت له : عمرو كعمرو ، فقال لي : | صدقت ولكن ذاك شبّ على الطّوق[٢] |
وكان بنو القبطرنة بالأندلس أشهر من نار على علم ، وقد تصرفوا في البراعة والقلم ، ولهم الوزارة المذكورة ، والفضائل المشكورة ، ولذا قال أبو نصر في حقهم ما صورته [٣] :
هم للمجد كالأثافي ، وما منهم إلا موفور القوادم والخوافي ، إن ظهروا ، زهروا ، وإن تجمّعوا ، تضوّعوا ، وإن نطقوا ، صدقوا ، ماؤهم صفو ، وكل واحد منهم لصاحبه كفو ، أنارت بهم نجوم المعالي وشموسها ، ودانت لهم أرواحها ونفوسها ، ولهم النظام الصافي الزجاجة ، المضمحل العجاجة ، انتهى.
ثم قال : وبات منهم أبو محمد مع أخويه في أيام صباه ، واستطابته [٤] جنوب الشّباب وصباه ، بالمنية المسماة بالبديع ، وهو روض كان المتوكل يكلف بموافاته ، ويبتهج بحسن صفاته ، ويقطف رياحينه وزهره ، ويقف عليه إغفاءه وسهره ، ويستفزه الطرب متى ذكره ، وينتهز فرص الأنس فيه روحاته وبكره ، ويدير حميّاه على ضفة نهره ، ويخلع سره فيه لطاعة جهره ، ومعه أخواه فطاردوا اللذات حتى أنضوها ، ولبسوا برود السرور وما نضوها ، حتى صرعتهم العقار ، وطلّحتهم تلك الأوقار ، فلما همّ رداء الفجر أن يندى ، وجبين الصبح أن يتبدّى ، قام الوزير أبو محمد فقال : [الخفيف]
| يا شقيقي وافى الصّباح بوجه | ستر اللّيل نوره وبهاؤه | |
| فاصطبح واغتنم مسرّة يوم | لست تدري بما يجيء مساؤه |
ثم استيقظ أخوه أبو بكر فقال : [الخفيف]
| يا أخي قم تر النّسيم عليلا | باكر الرّوض والمدام شمولا | |
| لا تنم واغتنم مسرّة يوم | إنّ تحت التّراب نوما طويلا | |
| في رياض تعانق الزّهر فيها | مثل ما عانق الخليل الخليلا |
[١] ارتج عليه : استغلق عليه الكلام.
[٢] في ج : ولكن ذا أشب على الطوق.
[٣] القلائد : ص ١٤٨.
[٤] في ب ، ج ، ه : واستطابة جنوب الشباب.