نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٣٨ - وصف حير الزجالي بقرطبة
البياض ، يخترقه جدول كالحية النّضناض ، به جابية ، كل لجة بها [١] كابية ، قد قربصت بالذهب واللازورد سماؤه ، وتأزّرت بهما جوانبه وأرجاؤه ، والروض قد اعتدلت أسطاره ، وابتسمت من كمائمها أزهاره ، ومنع الشمس أن ترمق ثراه ، وتعطّر النسيم بهبوبه عليه ومسراه ، شهدت به [٢] ليالي وأيّاما كأنما تصورت من لمحات الأحباب ، أو قدّت من صفحات أيام الشباب ، وكانت لأبي عامر بن شهيد به فرج وراحات ، أعطاه فيها الدهر ما شاء ، ووالى عليه الصحو والانتشاء ، وكان هو وصاحب الروض المدفون بإزائه أليفي صبوة ، وحليفي نشوة ، عكفا فيه على جريالها [٣] ، وتصرفا بين زهوهما واختيالهما ، حتى ردّاهما الردى ، وعداهما الحمام عن ذلك المدى ، فتجاورا في الممات ، تجاورهما في الحياة ، وتقلصت عنهما وارفات تلك الفيات [٤] ، وإلى ذلك العهد أشار ابن شهيد وبه عرّض ، وبشوقه صحح وما مرض ، حيث يقول عند موته يخاطب أبا مروان صاحبه وأمر أن يدفن بإزائه ويكتب على قبره : [البسيط]
| يا صاحبي قم فقد أطلنا | أنحن طول المدى هجود؟[٥] | |
| فقال لي : لن نقوم منها | ما دام من فوقنا الصّعيد | |
| تذكر كم ليلة نعمنا | في ظلّها والزّمان عيد | |
| وكم سرورا همى علينا | سحابه ثرّة تجود؟[٦] | |
| فخيره مسرعا تقضّى | وشؤمه حاضر عتيد[٧] | |
| حصّله كاتب حفيظ | وضمّه صادق شهيد | |
| يا ويلنا إن تنكّبتنا | رحمة من بطشه شديد | |
| يا ربّ عفوا فأنت مولى | قصّر في أمرك العبيد |
انتهى.
ثم قال بعد كلام : وركب أبو الحسن بن القبطرنة إلى سوق الدواب بقرطبة ومعه أبو الحسين بن سراج ، فنظر إلى أبي الحكم بن حزم غلاما كما عقّ تمائمه [٨] ، وهو يروق كأنه
[١] النضناض : الحية التي لا تستقر مكانها. والجابية : الحوض الضخم يجمع فيه الماء.
[٢] في ب : شهدت له.
[٣] الجريال : الخمر.
[٤] في ب : الفيئات.
[٥] ديوان ابن شهيد ص ١٥٣.
[٦] في ب : كم سرور.
[٧] في ب : كلّ كأن لم يكن تقضى.
[٨] عق تمائمه : أي جاوز حد الطفولة.