نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٢٧ - ترجمة أبي عامر بن شهيد
وفاء ، لا ينفصلان في رواح ولا مقيل ، ولا يفترقان كمالك وعقيل [١] ، وكانا بقرطبة رافعي ألوية الصّبوة ، وعامري أندية السلوة ، إلى أن اتّخذ أبو عامر في حبالة الردى وعلق ، وغدا رهنه فيها وغلق [٢] ، فانفرد أبو المغيرة بذلك الميدان ، واستردّ من سبقه ما فاته منذ زمان ، فلم تذكر له مع أبي عامر حسنة ، ولا سرت له فقرة مستحسنة ، لتعذر ذلك وامتناعه ، بشفوف أبي عامر وامتداد باعه ، وأمّا شعر أبي المغيرة فمرتبط بنثره ، ومختلط زهره بدرّه ، وقد أثبتّ له منها فنونا ، تجنّ بها الأفهام جنونا ، فمن ذلك قوله : [الكامل]
| ظعنت وفي أحداجها من شكلها | عين فضحن بحسنهنّ العينا | |
| ما أنصفت في جنب توضح إذ قرت | ضيف الوداد بلابلا وشجونا | |
| أضحى الغرام قطين ربع فؤاده | إذ لم يجد بالرّقمتين قطينا |
وله : [المنسرح]
| لمّا رأيت الهلال منطويا | في غرّة الفجر قارن الزّهره | |
| شبّهته والعيان يشهد لي | بصولجان انثنى لضرب كره[٣] |
وأبو عامر بن شهيد المذكور قال في حقّه ما صورته [٤] :
الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد الأشجعي ، عالم بأقسام البلاغة ومعانيها ، حائز قصب السبق فيها ، لا يشبهه أحد من أهل زمانه ، ولا ينسق ما نسق من درّ البيان وجمانه ، توغل في شعاب البلاغة وطرقها ، وأخذ على متعاطيها ما بين مغربها ومشرقها ، لا يقاومه عمرو بن بحر [٥] ، ولا تراه يغترف إلا من بحر ، مع انطباع ، مشى في طريقه بأمدّ باع ، وله الحسب المشهور ، والمكان الذي لم يعده ظهور [٦] ، وهو من ولد الوضاح ، المتقلد تلك المفاخر والأوضاح ، والضحاك صاحب يوم المرج [٧] ، وراكب ذلك الهرج ، وأبو عامر حفيده هذا من ذلك النسب ، ونبع لا يراش إلا من ذلك الغرب ، وقد أثبتّ له ما هو بالسحر لا حق ، ولنور المحاسن ما حق ، فمن ذلك قوله : [البسيط]
| إنّ الكريم إذا نابته مخمصة | أبدى إلى النّاس ريّا وهو ظمآن[٨] |
[١] مالك وعقيل : هما نديما جذيمة الأبرش.
[٢] في ب : فيها قد غلق.
[٣] في ب : بصولجان أوفى.
[٤] المطمح ص ١٩.
[٥] عمرو بن بحر : هو أبو عثمان الجاحظ.
[٦] لم يعده : لم يتجاوزن. وفي ب : للظهور.
[٧] في ب : وصاحب الضحاك يوم المرج.
[٨] المخصمة : خلو البطن من الطعام ، المجاعة.