نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٧١ - أبو عبد الله محمد بن الصفار القرطبي
وأشفينا على الغرق ، فلاح لنا ونحن على هذه الحال منار الإسكندرية ، فسررنا برؤيته ، وطمعنا في السلامة ، فقال لي : لا بد أن أعمل في المنار شيئا ، فقلت له : أعلى مثل هذه الحال التي نحن فيها؟ فقال : نعم ، فقلت : فاصنع ، فأطرق ثم عمل بديها : [البسيط]
| لله درّ منار اسكندريّة كم | يسمو إليه على بعد من الحدق | |
| من شامخ الأنف في عرنينه شمم | كأنّه باهت في دارة الأفق[١] | |
| لله درّ منار اسكندريّة كم | يسمو إليه على بعد من الحدق | |
| يكسّر الموج منه جانبي رجل | مشمّر الذّيل لا يخشى من الغرق | |
| لا يبرح الدّهر من ورد على سفن | ما بين مصطبح منها ومغتبق | |
| للمنشآت الجواري عند رؤيته | كموقع النّوم من أجفان ذي أرق |
وتقدمت ترجمة الكاتب أبي عبد الله بن عبد ربه ، وأظنه هذا ، فليتنبه له ، بل أعتقد أنه هو لا غيره ، والله تعالى أعلم.
٦٧ ـ ومنهم أبو عبد الله محمد بن الصفار ، القرطبي [٢].
قال في القدح المعلى : بيتهم مشهور بقرطبة ، لم يزل يتوارث في العلم والجاه وعلو المرتبة ، ونشأ أبو عبد الله هذا حافظا للآداب ، إماما في علم الحساب ، مع أنه كان أعمى مقعدا مشوه الخلقة ، ولكنه إذا نطق علم كل منصف حقه ، ومن عجائبه أنه سافر على تلك الحالة ، حتى غدت بغداد له هالة [٣] ، اجتمعت به بحضرة تونس فرأيت بحرا زاخرا ، وروضا ناضرا ، إلا أنه حاطب ليل [٤] ، وساحب ذيل ، لا يبالي ما أورده ، ولا يلتفت إلى ما أنشده ، جامعا بين السمين والغث ، حافظا للمتين والرث ، وكان يقرئ الأدب بمراكش وفاس وتونس وغيرها.
ومن مشهور حكاياته أنه لما قال أبو زيد الفازازي [٥] في أبي علي [٦] المستنصر قصيدته التي مطلعها : [البسيط]
الحزم والعزم منسوبان للعرب
[١] العرنين : الأنف.
[٢] انظر ترجمته في القدح المعلى ص ٢٠٣ ـ ٢٠٦.
[٣] الهالة : دارة القمر. وقد شبه صاحب القدح الصفار بالقمر وبغداد بهالته.
[٤] حاطب ليل : أي لا يبالي بما يعجبه ولا يدرك الغث من السمين.
[٥] في القدح : الفزاري.
[٦] في ب : أبي العلاء.