نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٠٥ - ترجمة القاضي أبي بكر بن العربي المعافري
في النهر الراجع ، فذهب بها الماء إلى ناحية الحريم من غير أن يقرب الخدم تلك الناحية ، فعلمت السر ، وإن هذا لعجيب ، انتهى بمعناه.
وقال في «قانون التأويل» : ورد علينا ذانشمند [١] ـ يعني الغزالي ـ فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية ، معرضا عن الدنيا ، مقبلا على الله تعالى ، فمشينا إليه ، وعرضنا أمنيتنا عليه ، وقلت له : أنت ضالّتنا التي كنا ننشد ، وإمامنا الذي به نسترشد ، فلقينا لقاء المعرفة ، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة ، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم ولو رآه عليّ بن العباس لما قال [٢] : [المتقارب]
| إذا ما مدحت امرا غائبا | فلا تغل في مدحه واقصد | |
| فإنّك إن تغل تغل الظّنو | ن فيه إلى الأمد الأبعد | |
| فيصغر من حيث عظّمته | لفضل المغيب على المشهد |
وكنت نقلت من المطمح في حقه ما صورته : الفقيه الحافظ أبو بكر بن العربي [٣] علم الأعلام الطاهر الأثواب ، الباهر الألباب ، الذي أنسى ذكاء إياس [٤] ، وترك التقليد للقياس ، وأنتج الفرع من الأصل ، وغدا في يد [٥] الإسلام أمضى من النّصل ، سقى الله تعالى به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف ، ومد عليها منه الظلّ الوارف ، وكساها رونق نبله ، وسقاها ريّق وبله ، وكان أبوه أبو محمد بإشبيلية بدرا في فلكها ، وصدرا في مجلس ملكها ، واصطفاه معتمد بني عبّاد ، اصطفاء المأمون لابن أبي دواد [٦] ، وولاه الولايات الشريفة ، وبوّأه المراتب المنيفة ، فلما أقفرت حمص من ملكهم وخلت ، وألقتهم منها وتخلّت ، رحل به إلى المشرق ، وحل فيه محل الخائف الفرق ، فجال في أكنافه ، وأجال قداح الرجاء في استقبال العزو استئنافه ، فلم يسترد ذاهبا ، ولم يجد كمعتمده باذلا له وواهبا ، فعاد إلى الرواية والسماع ، وما استفاد من آمال تلك الأطماع ، وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوّح [٧] ، وفي روض الشباب زهر ما صوّح [٨] ، فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا ، ولازمه سائقا إليها وحاديا ، حتى استقرت
[١] في ب : دانشمند ، وهو الحكيم العلامة.
[٢] علي بن عباس : هو الشاعر المعروف ، ابن الرومي.
[٣] الفقيه الحافظ أبو بكر بن العربي : العبارة غير موجودة في ب.
[٤] إياس : هو إياس بن معاوية الذي كان يضرب فيه المثل في الذكاء.
[٥] يد : سقطت من ب ، وهي موجودة في المطمح.
[٦] المأمون : هو ابن هارون الرشيد. وابن أبي دؤاد : القاضي أحمد بن أبي دؤاد.
[٧] ما دوّح : أي لم يصر دوحة بعد ، والدوحة : الشجرة العظيمة الممتدة الوارفة الظلال.
[٨] صوّح : ذبل وذوى.