نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٧٠ - وصية موسى بن سعيد لابنه أبي الحسن
| ليس ذا وجه من يضيف ولا يق | يري[١] ولا يدفع الأذى عن حريم |
فمن يكن له وجه مثل هذا الوجه فولّ وجهك عنه قبلة ترضاها ، ولتحرص جهدك على أن لا تصحب أو تخدم إلا ربّ حشمة ونعمة ، ومن نشأ في رفاهية ومروءة ، فإنك تنام معه في مهاد العافية ، وإن الجياد على أعراقها تجري ، وأهل الأحساب والمروءات يتركون منافعهم متى كانت عليهم فيها وصمة ، وقد قيل في مجلس عبد الملك بن مروان : أشرب مصعب [٢] الخمر؟ فقال عبد الملك ، وهو عدوّ له محارب له على الملك : لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه [بحر الكامل].
والفضل ما شهدت به الأعداء
يا بني ، وقد علمت أن الدنيا دار مفارقة وتغيّر ، وقد قيل : اصحب من شئت فإنك مفارقه ، فمتى فارقت أحدا فعلى حسنى في القول والفعل ، فإنك لا تدري هل أنت راجع إليه ، فلذلك قال الأول : [بحر الطويل]
ولما مضى سلم بكيت على سلم
وإياك والبيت السائر : [بحر الوافر]
| وكنت إذا حللت بدار قوم | رحلت بخزية [٣] وتركت عارا |
واحرص على ما جمع قول القائل : ثلاثة تبقي لك الودّ في صدر أخيك ، أن تبدأه بالسلام ، وتوسع له في المجلس ، وتدعوه بأحبّ الأسماء إليه ، واحذر كل ما بينه لك القائل : كلّ ما تغرسه تجنيه إلا ابن آدم فإنك إذا غرسته يقلعك ، وقول الآخر : ابن آدم يتمسكن حتى يتمكن ، وقول الآخر : ابن آدم ذئب مع الضعف ، أسد مع القوّة ، وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره ، فيحكى أن ابن المقفّع خطب من الخليل [٤] صحبته ، فجاوبه : إن الصحبة رقّ ، ولا أضع رقي في يدك حتى أعرف كيف ملكتك ، واستمل من عين من تعاشره ، وتفقّد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه ، ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن
[١] يقري : يجعل الزاد لضيفه.
[٢] مصعب : هو مصعب بن الزبير وكان عدوا لعبد الملك بن مروان وجرت بينهما معركة كان النصر فيها لعبد الملك وقتل مصعب.
[٣] الخزية : العيب والعار.
[٤] الخليل : هو الخليل بن أحمد الفراهيدي ، وكان عالما في اللغة والأدب والنحو إضافة إلى وضعه علم العروض.