الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٦٣ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
يشقّ تركه، و استدامة الزّينة لا تمكن إلّا بمباشرة أسباب في الغالب يلزم من مراعاتها ارتكاب المعاصي، من المداهنة و مراعاة الخلق، و مراءاتهم، و أمور أخرى هي محظورة، و الحزم اجتناب ذلك؛ لأنّ من خاض في الدنيا لا يسلم منها البتّة؛ و لو كانت السلامة مبذولة مع الخوض لكان صلى اللّه عليه و سلم لا يبالغ في ترك الدّنيا، حتى نزع القميص المطرّز بالعلم و غير ذلك. و هو كما قال رضي اللّه عنه فإنّه يتطرّق إلى ذلك آفات كثيرة، سابقة و لا حقة، و من جملة السابقة فساد الاكتساب، و من جملة اللاحقة حصول الإعجاب، إلّا من عصمه اللّه تعالى، و قليل ما هم. على أن ترك ذلك مع العصمة أفضل.
و لهذا قال الإمام مالك بن أنس رضي اللّه عنه، لما كتب إليه يحيى بن يزيد النّوفلي:
أما بعد: فقلد بلغني أنّك تلبس الرّقاق، و تأكل الدّقاق، و تجلس على الوطاء، و تجعل على بابك حاجبا، و قد جلست مجلس العلم، و اتّخذك الناس إماما، فاتّق اللّه يا مالك.
فكتب إليه الإمام مالك كتابا قال في أثنائه: فأمّا ما ذكرت أني آكل الدّقاق، و ألبس الرّقاق، و أحتجب، و أجلس على الوطاء، فنحن نفعل ذلك، و نستغفر اللّه، و قد قال اللّه تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف: ٣٢]، و إني لأعلم أنّ ترك ذلك خير من الدّخول فيه.
هذا من كلامهما على ما نقل أهل العلم عنهما.
* قلت: و قد وصف اللّه تعالى العلماء في كتابه بالزّهد و الخشية و العبادة، فقال سبحانه و تعالى: وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ لا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص: ٨٠].
و قال سبحانه و تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨].
و قال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩].
* و قال السيد الجليل الفضيل بن عياض[١] رضي اللّه عنه: كان العلماء ربيع الناس،
[١] -الفضيل بن عياض التميمي اليربوعي( ١٠٥- ١٨٧ ه) شيخ الحرم المكي، من أكابر العباد و الصلحاء، كان ثقة، أخذ عنه الشافعي، أصله من سمرقند و توفي بمكة.