الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٣٣ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
دوام النّظر إلى اللّه سبحانه و تعالى، حتّى يرتقي العبد من مقام الغافلين إلى مقام المراقبين، و بدوام المراقبة يرتقي إلى مقام المشاهدين.
و أمّا القسم الرابع و هو الصبر عن اللّه: فلا أراه إلا مخصوصا بأهل المشاهدة المحبين؛ لأنّهم إذا حيل بينهم و بين مشاهدة الجمال بإرخاء الحجاب، لاقوا في ذلك من العذاب ما لا يلقاه المضطرّ المشرف على الهلاك منّا إذا حيل بينه و بين الطّعام و الشراب، إذ كلّ أحد يتعب لمفارقة أحبّته على مقدار محبّته، و ليس يشبه محبتهم شيء من المحبّات، و لا محبوبهم شيء من المحبوبات، فنظرة من جماله تغيّب الناظر[١] عن الأكوان، و تتركه جميع الدّهر سكران، و ليس النّار التي تحرق المحبّين و يخافون منها إلا نار الحجاب التي هي عندهم أشدّ الشدائد، و إلى شيء من ذلك أشرت بقولي في بعض القصائد.
|
و يا شوقا إلى حسن بديع |
منيع دونه ضرب الرّقاب |
|
|
أرى الأحباب أمسوا قد أباحوا |
دماء العاشقين بكلّ باب |
|
|
بلا ذنب و لا جرم جنوه |
و لا حقّ حقيق بالعقاب |
|
|
سوى لمح إلى غالي جمال |
جميل لاح من تحت النّقاب |
|
|
فلمّا غاب عنهم أحرقتهم |
على فقدانه نار الحجاب |
|
* و قيل: ضرب بعض المحبّين مائة سوط، و هو ساكت، ثم ضرب بعد ذلك سوطا واحدا فصاح، فقيل له: صبرت على مائة، و لم تصبر على واحد! فقال: كنت في المائة مشاهدا للحبيب الذي ضربت من أجله، و في الواحد غاب عنّي. أو كما قال.
* و أنشد بعضهم:
|
إذا كنت قوت النّفس ثم هجرتها |
فكم تلبث النّفس التي أنت قوتها |
|
|
ستبقى بقاء الضّب في الماء أو كما |
يعيش ببيداء المفاوز حوتها |
|
* و أنشد آخر:
|
الصّبر يجمل في المواطن كلّها |
إلّا عليك فإنّه لا يجمل |
|
[١] -في هامش( أ): و في نسخة: تغيب الظاهر.