الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٢٧ - مقدمة الكتاب
اشتغل به المريدون الأتقياء، فهو لهم حرفة، و شغف به المرادون الأولياء فهو لهم تحفة، يتلذّذون به و تجلى لهم من معانيه الملاح ربّ عروس، و تدار عليهم كئوس الهوى فيشربونها و يسكرون، و تخلع عليهم خلع الرّضا فيلبسونها و يشكرون، و يناديهم المولى:
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧]، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥٢]، فهاموا في ذكره و شكره، و غابوا عن كلّ محسوس:
|
قفي حدّثينا من حديث الأحبّة |
و قد سكروا من كأس راح المحبّة |
|
|
و أقمار حسن قد تجلّت ليجتلوا |
عرائس أنوار عن الوصف جلّت |
|
|
و لا تخلطي في راح مرتاحة الهوى |
و مشغولة بالحبّ خلّ خليّة |
|
|
نفوس خلت عن وصفهم و تشبّهت |
بهم و تسمّت بالأسامي السنيّة |
|
|
تسمّى فلان الدّين من هو عكس ما |
تسمّى به حاوي الصّفات الدنيّة |
|
|
فنور ظلام و الكمال نقيصة |
و محيي مميت ثمّ عكس البقيّة |
|
|
سوى السيّد الحبر النّواوي[١] و شبهه |
إمام الهدى محيي لدين و سنّة |
|
|
و ناس لهم أسماء في الشّرع ترتضى |
و لكن صفات القوم غير رضيّة |
|
|
كمثلي عبد اللّه من لم تحلّه |
عبودية في سادة الخلق حلّت |
|
|
و لكنّه عبد الهوى قد تملّكت |
له النّفس في قول و فعل و نيّة |
|
|
و عبد الهوى يمتاز من عبد ربّه |
لدى شهوة أو عند صدم بليّة |
|
|
بكير البلا يبدو من التّبر حسنه |
و يبدو نحاس النّحس في كلّ محنة |
|
|
خلا من حلا قوم كرام تدرّعوا |
دروع الرّضا و الصّبر في كلّ شدّة |
|
|
و لاقوا طعان النّفس في معرك الهوى |
و راحوا و قد أرووا مواضي الأسنّة |
|
|
و ساقوا جياد الجدّ عند استباقهم |
و أرخوا لها نحو العلا للأعنّة |
|
|
سموا فاجتلوا بيض المعالي غواليا |
ببيض العوالي في القصور العليّة |
|
|
مقامات قوم أتعبوا النّفس في السّرى |
فأضحوا ملوك الدّهر فوق الأسرّة |
|
[١] -هو الإمام محيي الدين النووي- و يقال النواوي- يحيى بن شرف الحوراني الشافعي( ٦٣١- ٦٧٦ ه) علّامة بالفقه و الحديث، مولده و وفاته في نوى( جنوب دمشق) و إليها نسبته. تعلم في دمشق و أقام بها زمنا طويلا. له العديد من المؤلفات.