الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٣٦ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
* و قال إبراهيم الخواص: كنت في جبل لكام[١] فرأيت رمّانا، فاشتهيته، فدنوت و أخذت منه واحدا، فشققته، فوجدته حامضا، فمضيت و تركت الرّمان، فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمع عليه الزّنابير، فقلت: السلام عليك. فقال: و عليك السلام يا إبراهيم.
فقلت: كيف عرفتني؟ فقال: من عرف اللّه تعالى لا يخفى عليه شيء. فقلت له: أرى لك حالا مع اللّه تعالى، فلو سألته أن يحميك و يقيك من هذه الزّنابير. فقال: و أرى لك مع اللّه تعالى حالا، فلو سألته أن يقيك شهوة الرّمان؛ فإنّ لدغ الرّمان يجد الإنسان ألمه في الاخرة، و لدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا، فتركته و مشيت[٢].
* و أنشدوا:
|
نون الهوان من الهوى مسروقة |
فأسير كلّ هوى أسير هوان |
|
* و قال يحيى بن معاذ: ليكن حظّ المؤمن منك ثلاث خصال: إن لم تنفعه فلا تضرّه، و إن لم تسرّه فلا تغمّه، و إن لم تمدحه فلا تذمّه.
* و قال الجنيد: كنت جالسا في مسجد الشّونيزية[٣] أنتظر جنازة أصلّي عليها، و أهل بغداد على طبقاتهم جلوس ينتظرون الجنازة، فرأيت فقيرا عليه أثر النّسك يسأل الناس، فقلت في نفسي: لو عمل هذا عملا يصون به نفسه كان أجمل به. فلمّا انصرفت إلى منزلي، و كان لي شيء من الورد بالليل حتّى البكاء و الصلاة و غيره، فثقل عليّ جميع أورادي، فسهرت و أنا قاعد، و غلبتني عيني، فرأيت ذلك الفقير جاءوا به على خوان ممدود، و قالوا لي: كل لحمه، فلقد اغتبته. و كشف لي عن الحال، فقلت: ما اغتبته، إنّما قلت في نفسي شيئا، فقيل لي:
ما أنت ممّن يرضى منك بمثله، اذهب فاستحلّه. فأصبحت و لم أزل أتردّد حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء أوراقا من البقل ممّا تساقط من غسل البقل، فسلّمت عليه، فقال: تعود يا أبا القاسم؟ فقلت: لا. فقال: غفر اللّه لنا و لك[٤].
[١] -جبل اللّكّام: بالضم و تشديد الكاف، و يروى بتخفيفها الجبل المشرف على أنطاكية و المصيصة و طرسوس، فيه جميع الفواكه و الزروع، و فيه يكون الأبدال من الصالحين. معجم البلدان. و اسمه قديما جبال الأمانوس.
[٢] -روض الرياحين ٢٠٩( الحكاية: ١٢٩).
[٣] -الشونيزية: مقبرة ببغداد، في الجانب الغربي. معجم البلدان.
[٤] -روض الرياحين ٢٠٨( الحكاية: ١٢٨).