الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٤٣ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
فلم يطب لي بعد ذلك طعام، و أشرب قلبي تلك الصّورة، فما استحسنت بعدها شخصا، و لا كنت أتمكّن من سماع كلام الخلق، و أقمت على ذلك مدّة[١].
* و قال أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه: قد يمنع اللّه العبد من العمل اختبارا له؛ لينظر حاله عند الفقد لذلك في تضرّعه و افتقاره، أو غفلته و استغنائه.
* و قال رضي اللّه عنه: إنّ اللّه تعالى يعيد من بركات حركات الظواهر على البواطن ما يكون سببا في تنويرها و صلاحها، حتى إذا صفت السرائر، و تخلّصت من شوائب الكدورات، عادت بالصلاح على الأعمال الظواهر، فزكت الأعمال، و ارتفعت الأحوال بطهارة أصولها، و ثبات أساسها.
* و قال رضي اللّه عنه: رؤية الفضل و المنّة في العمل و إن قلّ، أتمّ في حقّ واجب الرّبوبية من رؤية التّقصير، عن القيام بحقّ العبودية.
* و قال رضي اللّه عنه: المريد إذا خدم المشايخ و الإخوان بالأدب، أعاد اللّه عليه من بركات أحوالهم ما لم يكن يبلغه بعمل؛ لأن ما يرد عليه منهم هو ثواب أعمالهم المتقبّلة، و ما يرد عليه منه هو ثواب عمله، و لا يقدر على تخليصه.
* قلت: كنت طالعت منذ زمان في كلام سيدنا الشيخ أبي عبد اللّه القرشي المذكور نفعنا اللّه به، فرأيت بعد ذلك في النوم بعض الصالحين، و إذا هو يقول لي: أنت الذي كان معك كلام أبي عبد اللّه القرشي، لقد كان يفوح هاهنا. يعني مسكا.
* و قال القرشيّ رضي اللّه عنه: كنت مرادا بالتقليل، لم يكن يصفو لي شبع و لا ريّ و لا كسوة، و لقد أقمت مقدار سنة و عليّ خلق جبّة صوف كنت أضمّها عليّ كيلا تنكشف عورتي، و لقد كانت عليّ بمكّة محشوّة تقطّعت بطانتها، فصار القمل يسكن في القطن، فكنت أقاسي منها شدّة، فاتفق يوم من الأيام أنّي كنت أغتسل في السّحر عند بئر هناك، فجاء حرّاب[٢]، فأخذها، فوجدت برد راحتي منها، و فرحت بأخذها، فمضى بعض أصحابي يستعير ما ألبسه، و إذا بالحرّاب قد نظرها في السّراج، فوجدها لا تساوي شيئا،
[١] -روض الرياحين ٨٤( الحكاية: ١٤).
[٢] -الحرّاب: المشلّح الناهب، الذي يعرّي الناس ثيابهم. متن اللغة( حرب). و في طبقات الصوفية للمناوي ٢/ ٢٨٤: لص.