الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٤٠ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
* و قال رضي اللّه عنه: لو لم ألق من المشايخ من رأيت لتوهّمت أنّ الطريق ما عليه الناس اليوم، و ما عند القوم من الطريق إلّا الاسم، إلّا من سلك منهم على التحقيق.
* و قال رضي اللّه عنه: ما أحوجنا في هذا الوقت لأحد رجلين؛ إمام عالم رباني، تأخذه للّه تعالى حميّة غضب، فيحلّ بنا مؤلم أدب، يحمله على ذلك علمه بما فاتنا من الحظوظ، بترك الانقياد للحقّ، و حرصه على أن لا يقطع أحد نفسا و لا وقتا إلّا في الاشتغال بما يقرّبه من مولاه، و يقدّمه بين يديه، و إمّا عالم روحاني قد استغرقته معرفة مواقع الأقدار، و رؤية وقوع البلاء، بمختار و غير مختار، يستنزل من اللّه رحمته الواسعة بالدّعاء، و ينقلنا من ظاهر الحال عمّا نحن عليه بلطف و رفق، يحمله على ذلك الشفقة و الحنان، و معرفته بسعة الجود و الإحسان.
* و قال شيخ الشيوخ صاحب المعارف و المقام العالي الشريف أبو العباس ابن العريف[١] رضي اللّه عنه و نفع به: أصبحت يوما مهموما، فقلت للشيخ أبي القاسم بن روبيل[٢]: حدّثني بحكاية عسى أن يفرّج اللّه ما بي، فقال: نعم، وصف لي رجل ببعض السواحل يعرف بأبي الخيار، فقصدته، فوجدته على ساحل البحر، فسلّمت عليه، و جلست، فلم يتكلّم، و لم أكلّمه حتى إذا كان وقت الصلاة أقبل نفر من بعض الأودية متفرّقون، فاجتمعوا إليه، فتقدّمهم واحد منهم، فصلّى بهم، ثم افترقوا، و لم يكلّم أحد منهم أحدا، و جلس الشيخ مكانه، و جلست عنده، حتى إذا كان وقت الصلاة أقبل النّفر، و صلّوا، ثم انصرفوا، حتى حان وقت صلاة العصر اجتمعوا و صلّوا، ثم جلسوا بعد ذلك، و تذاكروا في سير الصالحين، و مقامات الأولياء إلى قريب الاصفرار، ثم تفرّقوا، و اجتمعوا للمغرب ثم تفرّقوا، فجلست عنده ثلاثة أيام، و هم على ذلك، ثم وقع في نفسي أن أسأله عن مسألة أستفيدها، فتقدّمت إليه، و قلت: أيّها الشيخ، مسألة أسأل عنها. فقال: قل.
فنظر الجماعة إليّ كالمنكرين، ففزعت، فقلت له: أيّها الشيخ، متى يعلم المريد أنّه مريد؟ قال: فأعرض عنّي، و لم يجبني، فخفت أن أكون أغضبته، فقمت عنه، فلمّا كان
[١] -أحمد بن محمد بن موسى أبو العباس بن العريف( ٤٨١- ٥٣٦ ه) الصنهاجي الأندلسي المقرئ صاحب المقامات و الإشارات، ازدحم الناس عليه يسمعون كلامه و مواعظه، فخاف ابن تاشفين أمير المغرب من ظهوره فيقال إنه قتله سرا فسقاه. مات بمراكش. سير أعلام النبلاء ٢٠/ ١١١.
[٢] -ضبط روبيل من( أ) و( ب).