الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٦٤ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
قلبي. فقال الجنيد: صدقت في الأولى، و الثانية، و الثالثة، و لكنّي أردت أن أمتحنك، هل يتغيّر قلبك؟
* و روي عن السّريّ أنّه قال: كنت أطلب رجلا صدّيقا مرة من الأوقات، فمررت في بعض الجبال، فإذا أنا بجماعة زمنى[١]، و عميان، و مرضى، فسألت عن حالهم، فقالوا:
هاهنا رجل يخرج في السّنة يدعو لهم، فيجدون الشفاء، فصبرت حتى خرج، و دعا لهم، فوجدوا الشفاء، فقفوت أثره، و تعلّقت به، و قلت: بي علّة باطنة، فما دواؤها؟ فقال:
يا سريّ، خلّ عني، فإنّه غيور، لا يراك تساكن غيره، فتسقط من عينه.
* و قيل: إنّ إبراهيم بن أدهم قال لرجل: تحبّ أن تكون للّه وليا؟ فقال: نعم. فقال:
لا ترغب في شيء من الدّنيا و الاخرة، و فرّغ نفسك للّه، و أقبل بوجهك عليه ليقبل عليك و يواليك.
* و قال ابن السّمّاك[٢] في وعظه: من أعرض عن اللّه بكلّيته أعرض اللّه عنه جملة، و من أقبل على اللّه بقلبه، أقبل اللّه برحمته عليه، و أقبل بجميع وجوه الخلق إليه، و من كان مرّة و مرة، فاللّه يرحمه وقتا و وقتا، أو كما قال.
* و قال الخرّاز: إذا أراد اللّه أن يوالي عبدا من عبيده فتح عليه باب ذكره، فإذا استلذّ الذّكر فتح عليه باب القرب، ثمّ رفعه إلى مجالس الأنس، ثم أجلسه على كرسيّ التّوحيد، ثم رفع عنه الحجاب، و أدخله دار الفردانية، و كشف له حجاب الجلال و العظمة، فإذا وقع بصره على الجلال و العظمة بقي بلا هو، فحينئذ صار العبد زمنا فانيا، فوقع في حفظه سبحانه، و برئ من دعاوى نفسه.
* و قال النّوري: أمّا القرب بالذّات، فتعالى الملك عنه، و أنّه متقدّس عن الحدود و الأقطار، و النهاية و المقدار، ما اتّصل به مخلوق، و لا انفصل عنه حادث مسبوق، جلّت الصمديّة عن قبول الوصل و الفصل، فقرب هو في نعته محال، و هو تداني الذّوات، و قرب
[١] -زمنى: مقعدون.
[٢] -ابن السماك محمد بن صبيح العجلي الزاهد القدوة، روى عن الأعمش و طائفة، وعظ هارون الرشيد، توفي سنة ١٨٣ ه. طبقات المناوي ١/ ٤٣٣.