الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٢٦ - مقدمة الكتاب
و اليهود، و النّصارى، و المجوس، و أشهد أنّ محمدا عبده المجتبى، سيّد الأنام، و رسوله المصطفى خاتم الرّسل الكرام، بدر الدّياجي، منوّر كلّ حندوس[١]، صلى اللّه عليه و سلم و على آله الكرام أولي النّدى، و على أصحابه النّجباء نجوم الهدى، و أزواجه المطهّرات من الأرجاس و الأدناس، و ذرّيته السّادات الرّءوس.
أما بعد: فإنّ المتّقين الموفّقين الأكياس، علموا أنّ أنفاسهم أنفس من الجواهر النّفاس، فلم يضيّعوها في البطالة، و لم يبيعوها بالفلوس:
|
أرى كلّ من ألهاك عن كسب طاعة |
عدوا و إن كان الصّديق المصافيا |
|
|
لما أنّ أنفاس الحياة جواهر |
نفاس و قد أضحى لها عنك نافيا |
|
|
بها غرف في جنّة هان فوتها |
عليك و فيها العيش يهنيك صافيا |
|
|
و لو جيفة الدّنيا تفوت لسارعت |
يداك إلى ترب على الرّأس سافيا |
|
|
ستدري على أيّ تقاسي تحسّرا |
و يبدو غدا ما كان في اليوم خافيا |
|
باع أولو الرّشد أنفاسهم النّفيسة بالباقي الخطير النّفيس، و لم يبيعوها بالفاني الحقير الخسيس، خلافا لنا أيّها الحمقاء السّفهاء النّحوس:
|
بدنيا نبيع الدّين فالدّين ذاهب |
كما بيع منزوع و دنيا ستنزع |
|
|
كما قال رأس الزّاهدين ابن أدهم[٢] |
عليّ المقام العارف المتورّع |
|
|
(نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا |
فلا ديننا يبقى و لا ما نرقّع) |
|
[٣] عميت قلوبنا من صدأ الآثام، فضلّت عن طريق الهدى، و تاهت و قست من أكل الحرام، و فضول الكلام، و مرضت من مجالسة موتى القلوب، و ماتت و دفنت في قبور الغفلة، فلا يكشف عنها غطاؤها إلّا في يوم عبوس. هذا، و إنّ ذكر اللّه حياة القلوب و دواؤها و جلاؤها[٤] من صدئها، و غذاؤها و حاميها من شرّ العدوّ و حصنها به محروس،
[١] -كذا في الأصل مراعاة للسجع، و الحندس: الليل المظلم.
[٢] -هو إبراهيم بن أدهم البلخي زاهد مشهور، أخذ عن كثير من العلماء، و كان يعيش من العمل بالحصاد، و حفظ البساتين، و الحمل و الطحن، و يشترك مع الغزاة في قتال الروم، و كان يصوم في السفر و الإقامة، و ينطق بالعربية الفصحى و لا يلحن. مات سنة ١٦١ ه.
[٣] -البيت في ديوان عبد اللّه بن المبارك صفحة ٨٦.
[٤] -في المطبوع: هذا أوان ذكر اللّه حياة القلوب و دوائها و جلائها.