الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٩٩ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
|
رضوا بالأماني و ابتلوا بحظوظهم |
و خاضوا بحار الحبّ دعوى فما ابتلّوا |
|
|
فهم في السّرى لم يبرحوا من مكانهم |
و ما ظعنوا في السّير عنه و قد كلّوا |
|
|
فإن شئت أن تحيا سعيدا فمت به |
شهيدا و إلّا فالغرام له أهل |
|
هيهات هيهات، أين الكاذب من الصادق؟ و أين المتخلّف من السابق؟
* روينا عن بعضهم أنّه سافر للحجّ على قدم التجريد، و عاهد اللّه تعالى أنّه لا يسأل أحدا شيئا، فلمّا كان في بعض الطريق مكث مدة لا يفتح عليه بشيء، فضعف عن المشي، ثم قال: هذا حال ضرورة، و قد قال اللّه سبحانه و تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:
١٩٥]، و إذا لم أسأل انقطعت عن القافلة، و هلكت، ثم عزم على السؤال، فلمّا همّ بذلك انبعث منه خاطر ردّه عن ذلك العزم، ثم قال: أموت و لا أنقض عهدا بيني و بين اللّه تعالى، فمرّت القافلة، و انقطع، و استقبل القبلة مضطجعا ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بفارس قائم على رأسه، معه إداوة[١]، فسقاه، و أزال ما به من الضّرورة، و قال له: أ تريد القافلة؟ فقال: و أين منّي القافلة؟ فقال له: قم، و سار معه خطوات، ثم قال له: قف هاهنا و القافلة تأتيك. فوقف، و إذا بالقافلة مقبلة من خلفه. حيّ اللّه أولئك الرجال، و نفعنا بهم[٢].
* و قال بعض العارفين: الصادق تحت خفارة صدقه. يعني إذا ارتكب المهالك عن صدق، حماه صدقه عن الهلاك، و انقلب ذلك الهلاك نجاة بإذن اللّه تعالى.
* و من ذلك: قضية السيد الجليل أحمد بن أبي الحواري[٣] عند ما أمره شيخه أبو سليمان الدّاراني[٤] أن يدخل في التنور، و فيه النار، بعد أن عاهده أن لا يخالفه في شيء، فدخله و مكث ساعة، ثم أمر الشيخ بإخراجه، فأخرج و لم يحترق منه شيء؛ و ذلك لقوة
[١] -في هامش( أ) و( ج): الإداوة بالكسر إناء صغير من جلد.
[٢] -روض الرياحين ١٦٨( الحكاية ٨٧) و الصفحة ٥٥٣.
[٣] -أحمد بن أبي الحواري ميمون من أهل دمشق، من بيت ورع و زهد، صحب الكثير من المشايخ، أسند الحديث، مات سنة ٢٣٠ ه. طبقات الصوفية للسّلمي ٩٥.
[٤] -أبو سليمان الدارني عبد الرحمن بن عطية زاهد صالح عالم، سمع الحديث و رواه، مات بقريته التي نسب إليها داريا- جنوب دمشق ب ٨ كم- سنة ٢١٥ ه.