الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٥٣ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
صدق اللّه العظيم: وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [يس: ٦٨]، ولد الزمان الرّجال و هو شابّ، و الآن قد انتكس و كبر و شاب.
|
سألت زماني لم أراك عقيما |
و كنت ولودا للرّجال قديما |
|
|
فقال لأني قد كبرت و قد دنا |
رحيل إلى الأخرى و صرت سقيما |
|
|
و لم يبق في الأولاد إلّا حثالة |
و فارقني من كان قبل كريما |
|
كان الكرام إذا جنّ الظلام، دارت عليهم كئوس مدام الغرام، فتراهم و العيون هواجع، تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يبيتون لربّهم سجّدا و قياما على الأقدام و الجباه، و في النّهار لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه، إذا ذكر اللّه و جلت قلوبهم، و سالت الدّموع على الخدود، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، و قد كتبت في صفحات وجوه الوجهاء يد أيادي العناية بقلم القبول، و مداد الأمداد سطور نور الولاية، فلاح الفلاح على تلك الوجوه الملاح، يقرأ ذلك الخطّ الأميّ الذي لم يقرأ قطّ، قد رقّت قلوبهم؛ لامتلائها بالأشجان، فكلّ شيء يحرّكها و يذكّرها نعمى و نعمان:
|
يذكّرهم عيشا بنعمان ناعما |
حمام الحمى[١] يغري نسيم العواصف |
|
|
تثير الصّبا من كلّ صبّ صبابة |
فيصبو إلى عهد الصّبا و المالف[٢] |
|
|
فهم بين مشتاق و باك و ضاحك |
سرورا و صرّاخ و راج و خائف |
|
|
لذكر اللّقا و الهجر و الوصل و الجفا |
و قرب و بعد ناشر جمع لافف |
|
لما سقوا من مدام المنادمة في كئوس التقريب و التمكين، خافوا من استحالتها خلّا في أواني التقليب و التلوين، و أفزعهم شهر سيف سطوة فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ [الأعراف: ٩٩]، ففزعوا إلى الاتّقاء بترس لياذ «أعوذ بك منك» فخرجت مناشير التّبشير بالبشرى على يد بشير أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ [يونس: ٦٢]، فخافوا أن لا يكونوا من أهل الولاية المذكورين في الآية، فجاءت البشارة التّامّة، في الآية العامة وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [الرحمن: ٤٦]، فقالوا: و عزّتك ما عبدناك طمعا في جنتك، و لا خوفا من نارك:
[١] -في هامش( أ): حمام الحمى: جبل بقرب عرفة.
[٢] -في( أ) المالف: موضع للألفة.